رؤي ومقالات

محمد حماد يكنب:استشهاد خامنئي لحظة اختبار الجمهورية

في مساءٍ ثقيل، أعلنت طهران ما لم تكن تتصور يومًا أنها ستعلنه، استشهاد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، الخبر الذي أعلنه كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو قبل ذلك بساعات، قبل أن يأتي الإعلان الرسمي من التلفزيون الإيراني.
لم يكن التتابع الزمني تفصيلاً عابرًا؛ أن يسبق المعتدون إعلان الحدث ثم تعترف به الدولة المستهدفة يعني أن الضربة لم تكن مجرد اغتيال، بل صدمة رمزية وسياسية تهزّ العمود الفقري للنظام.
من لحظة الإعلان الرسمي انتهى خبر الاستشهاد وبدأ سؤال الدولة. عند هذه اللحظة تحديدًا، لم يعد السؤال: كيف جرى الاغتيال؟ بل: ماذا بعده؟
الرجل الثمانيني لم يكن مجرد قائد كبير، بل كان محور توازنٍ دقيق بين مؤسسة دينية تمسك بشرعية النص، ومؤسسة أمنية تمسك بقوة السلاح، ومشروع إقليمي تمدد خلال أربعة عقود.
من يعرف بنية الجمهورية يدرك أن المرشد ليس رئيسًا يمكن استبداله بمرسوم. هو رأس هرم مؤسسي، والأهم أن إيران لم تكن دولة مؤسسات كبقية الدول، بل هي ككل النظم العقائدية دولة عقيدة تتمحور حول “القيادة”.
ولذلك فإن الضربة التي أصابت الرجل وجهت بالأساس إلى فكرة، واستهدفت شبكة توازن امتدت من الداخل الإيراني إلى شواطئ المتوسط وصولًا إلى باب المندب جنوب البحر الأحمر.
لكن التاريخ يقول إن الأنظمة العقائدية لا تنهار عادةً بالضربة الأولى. بل تتماسك أولًا، ثم تبدأ عملية الفرز.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من يخلفه؟ بل: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تعبر اللحظة من دون أن يتصدع بنيانها؟
من هنا تبدأ قراءة الاحتمالات، ليس على سبيل الترف التحليلي، بل لأنها تعيد رسم شكل إيران ويعيد معها تشكيل معادلة الشرق الأوسط.
السيناريو الأول، والأكثر بداهة، أن يتحرك النظام بسرعة الغريزة، ويُعلن خليفة في أقصر وقت ممكن. ليس لأن الأسماء جاهزة فقط، بل لأن الفراغ أخطر من الاختيار نفسه.\
في مثل هذه اللحظات، لا تبحث النظم عن الأفضل، بل عن الأقدر على تثبيت السقف.
سيخرج الحرس الثوري الإيراني إلى الواجهة بوصفه الضامن الفعلي للاستمرارية، ليس انقلابًا عسكريًا، بل تثبيتًا لحقيقة قائمة منذ سنوات: أن ميزان القوة في طهران يميل أكثر إلى المؤسسة الأمنية منه إلى العمامة وحدها.
وسيُعاد تكريس الاستشهاد باعتباره “عدوانًا على الأمة”، عقيدة ونظامًا وشعبًا وأرضًا واستقلالًا وكرامة، وستُستدعى لغة التعبئة، ويُطلب من المجتمع أن يلتف حول الدولة لا أن يسائلها.
في ظل هذا المشهد، تتماسك إيران تحت النار، ليس حبًا في السلطة، بل خوفًا من الفوضى. أما إقليميًا، فلن تستطيع طهران أن تترك الضربة تمر بلا رد، لكنها في الوقت ذاته لن تذهب إلى حرب مفتوحة قد تُستنزف فيها وهي تعيد ترتيب بيتها.
سيكون الرد المحتمل من الشبكة التي بنتها خلال أربعة عقود، من حزب الله في لبنان إلى حلفائها في العراق وأنصار الله في اليمن، عبر تصعيد محسوب ورسائل بالنار، لكن تحت سقف يمنع الانفجار الكبير.
في هذا السيناريو، لا يسقط النظام، بل يخرج أكثر صلابة وقد يكون أكثر خشونة.
غير أن التاريخ لا يسير دائمًا في خط مستقيم.
الاستشهاد قد يفتح الباب لما كان مؤجلًا، ففي داخل النخبة الإيرانية توازنات دقيقة بين الفقيه ورجل الأمن، بين البراغماتي والعقائدي، وبين من يرى الدولة مشروعًا وطنيًا ومن يراها رأس حربة لمشروع أوسع. إذا تعثر الاتفاق سريعًا على خليفة، يبدأ التآكل.
لن يكون صراعًا معلنًا في الشوارع، بل صراع مكاتب وغرف مغلقة، لكن أثره سيتسرب إلى القرار. تتعدد مراكز النفوذ، يتباطأ الإيقاع، وتصبح الرسائل الإقليمية أقل وضوحًا،
هنا يدخل العامل الاقتصادي لاعبًا رئيسيًا، فإيران التي تعيش تحت ضغط العقوبات لا تملك رفاهية الغموض الطويل.
في الإقليم، سيظهر هذا الارتباك سريعًا، وشبكة النفوذ تحتاج إلى مركز قرار حاسم. غيابه يعني مبادرات ميدانية غير منسقة واحتمال أخطاء في الحساب، بينما خصوم طهران سيحاولون استثمار اللحظة لتعميق الانقسام، لا عبر الحرب الشاملة، بل عبر الاستنزاف.
هذا سيناريو لا يسقط فيه النظام، لكنه يفقد بعض توازنه، وتدخل المنطقة معه مرحلة ضباب استراتيجي خطير.
السيناريو الثالث هو الذي يتمنى خصوم إيران أن يرونه: أن يتحول استشهاد خامنئي إلى شرارة انفجار داخلي واسع. مع تكثيف الضغط العسكري وتشديد الحصار الاقتصادي، وتسريع وتيرة الانقسام الحاد في النخبة، قد تتفاقم الأزمة خارج حدود السيطرة.
في دولة بحجم إيران وتنوعها القومي والاجتماعي، أي اهتزاز مركزي قد يتضاعف أثره في الأطراف. الاحتجاجات قد تتوسع، وأجهزة الدولة قد تواجه اختبارات ولاء.
لكن من يظن أن سقوط النظام يعني تلقائيًا استقرارًا، ينسى دروس المنطقة القريبة.
انهيار قوة إقليمية بحجم إيران لا يخلق فراغًا هادئًا، بل عاصفة.
إقليميًا، سيكون ذلك زلزالًا؛ الشبكة التي بنتها طهران خلال عقود تتفكك، لكن الفراغ الناتج قد يستدعي تدخلات مباشرة وصراعات نفوذ مفتوحة.
عندها لن يكون السؤال عن مصير النظام الإيراني فقط، بل عن شكل الشرق الأوسط كله.
يبقى احتمال رابع، أقل صخبًا وأكثر عمقًا: أن تدرك النخبة الإيرانية أن الضربة ليست فقط عسكرية بل سياسية، وأن الحفاظ على الدولة يقتضي إعادة تعريف المشروع، اختيار مرشد أكثر انفتاحًا على المجتمع، مع توزيع أوسع للصلاحيات وانفتاح محسوب على الخارج.
لن يكون هذا انقلابًا على الفكرة، بل تعديلًا في أسلوب إدارتها.
في هذا المسار، قد تخفف طهران انخراطها المباشر في بعض الساحات، وتبحث عن تهدئة مع الجوار، وربما تفاوض غير مباشر مع واشنطن، لا سلامًا مفاجئًا، بل إعادة ترتيب أولويات.
إيران اليوم فوق بركان، وتحيط بها النيران من كل جانب. البركان ليس جديدًا، الجديد أن الغطاء انزاح فجأة. ما سيحسم الاتجاه ليس فقط من يجلس في موقع المرشد، بل أي جناح داخل الدولة يملك تعريف المرحلة.
هل هي مرحلة ثأر أم مرحلة تثبيت؟ مواجهة مفتوحة أم إعادة تموضع؟
ما نعرفه يقينًا أن لحظة استشهاد المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية أنهت زمنًا وفتحت آخر. شكل الزمن الجديد سيتحدد في طهران أولًا، ثم ينعكس دوائره في بغداد وبيروت وصنعاء والخليج.
في كل الأحوال حين تهتز طهران فوق بركانها، لن تبقى الحمم داخل حدودها، لأن إيران ببساطة، ليس فقط منذ أربعة عقود، كانت وستظل جزءًا من معادلة الشرق الأوسط، لا هامشًا فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى