رؤي ومقالات

أسامة الهتيمي يكتب :حسن أحمديان.. عندما يتحول الانبهار إلى بديل عن الحقيقة “1”

أعترف أنه غاظتني وبشدة تلك الحالة من الانبهار التي أعرب عنها وبكل أسف الكثير من الفاعلين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة من المصريين – وبينهم كتاب وباحثون وصحفيون – تجاه الأكاديمي الإيراني الدكتور حسن أحمديان الذي استضافته ولم تزل قناة الجزيرة القطرية على خلفية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران الأمر الذي دفعني مرارا لكتابة مقال حول تفنيد الكثير من أفكاره غير أن المتابعة لتفاصيل ما يجري ميدانيا كانت دائما هي ما يحول بيني وبين تنفيذ ذلك.
ولعل منطلقات غيظي تتمثل في أربعة مسائل رئيسية:
الأولى: أن هذا الانبهار لم يكن قائما في تقديري على تفكيك حقيقي لمضامين ما يطرحه أحمديان بقدر ما كان انبهارا بطريقة العرض والهدوء الظاهري والقدرة على استخدام لغة أكاديمية رصينة توحي بالموضوعية بينما تخفي خلفها – في كثير من الأحيان – سردية منحازة ومؤطرة لخدمة رؤية بعينها.
والثانية: أن هذا التلقي المتسرع من قبل الكثيرين عكس حالة من الخلل العميق في طريقة التعاطي مع الخطاب الإيراني إذ بدا أن هؤلاء وكأنهم يتعاملون مع كل ما يأتي في قالب تحليلي أنيق بوصفه حقيقة موضوعية دون محاولة البحث عن خلفيات ما يطرح أو تفكيكه وهو ما يمنح مثل هذا الخطاب بكل تأكيد قدرة مضاعفة على التأثير تتجاوز مجرد التحليل إلى إعادة تشكيل الوعي ذاته لتكون في صالح السرديات الإيرانية.
والثالثة: أن هذه الحالة من الانبهار تعني بشكل مباشر ضياع الكثير من الجهود التي بذلها العديد من المتابعين والمراقبين للكشف عن طبيعة السلوك الإيراني في المنطقة والتحذير من خطورته وتفكيك مشروعها للسيطرة ومد النفوذ فضلا عن تجاهل معاناة العديد من الشعوب العربية جراء ما ارتكبته إيران بحقها.
وأما المسألة الرابعة فهي أن ما قامت به قناة الجزيرة من إتاحة الفرصة بهذا القدر لشخصية مثل أحمديان عكست إلى أي مدى نجحت إيران في أن تستفيد كل الاستفادة من حالة الاستقطاب في الداخل العربي فمنحت الفرصة لمثل هذه الشخصية لا لتدافع عن حق إيران في المقاومة والصمود أمام أمريكا وإسرائيل – وهو ما يمكن أن يراه البعض حقا – فحسب بل ولتبرر أيضا كل ما قامت به إيران طيلة عقود مضت حتى لو كان ذلك انتهاكا للحقوق العربية .
ويتعلق بهذه المسألة أن فضائية كالجزيرة التي تمتلكها قطر وتنفق عليها من ميزانيتها لم تمنح نفس الفرصة لشخصية عربية سنية مؤدلجة على نفس المستوى مما عليه أحمديان حتى يمكنها الرد بشكل دقيق ومماثل على ما يطرحه أحمديان لتكون النتيجة النهائية من كل حوار يشارك فيه أحمديان انتصارا للسردية الإيرانية وكأنها صاحبة الحقيقة المطلقة بل والهادمة لأي سردية أخرى.
والخلاصة أن الجزيرة التزمت موضوعية وحياد لا أعرف مدى جدواهما رغم أن قطر كانت من الدول التي تم الاعتداء عليها من قبل إيران فيما لم تلتزم إيران لا عبر شاشاتها الناطقة بالفارسية أو العربية أو بأية لغة أخرى بهذه الموضوعية فاستضافت مثلا من يمكن أن يكشف عن بعض سوءاتها أو سياساتها المعيبة.
وقبل الشروع في تفنيد ما جاء على لسان أحمديان بالمنطق والأدلة والأحداث لفت نظري أن حالة الانبهار تشكلت لأسباب عديدة منها ما هو جوهري ومنها ما هو شكلي لهذا سأسمح لنفسي في البداية أن أتناول عدة نقاط شكلة لأنتقل بعدها لتناول النقاط الجوهرية.
اللغة العربية
وتبرز مسألة فصاحة أحمديان واستخدامه للغة العربية بشكل سلس مقارنة بما كان عليه بعض الضيوف الآخرين ومن بينهم باحثة عربية آثرت التحدث باللغة الإنجليزية كواحدة من الأسباب التي كسبت تعاطف الكثيرين مع أحمديان بغض النظر عما يطرحه فتلك الفصاحة في حد ذاتها كانت عنوانا مضيئا على صحة كل ما يطرحه رغم أن اللغة ليست سوى أداة عرض وليست معيارا للحقيقة وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال :” «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار” رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم.
والحقيقة أنه لا يمكننا الجدال حول أن عدم بلوغ المصاحبين لأحمديان درجة بلاغته وفصاحته شكل نقطة ضعف وأمر يثير الاستياء والاستهجان إذ كان أجدر بهؤلاء وهم عرب وأكاديميون أن يمتلكوا مثل هذه الفصاحة وإن لم يخرجوا – للموضوعية – عما يعرف باللغة الإعلامية الفصيحة التي اعتاد الناس عليها وهو ليس دفاعا عنهم بقدر ما هو إشارة إلى أن البعض ربما يفشل في الحديث بالفصحى ليس عجزا ولكن خشية أن يبدو متقعرا أو متصنعا.
ولعلني أتذكر وقد كنت طالبا في المرحلة الجامعية بمكتب الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين وهو من هو في اللغة وعلومها ودخل ساعتئذ شاب فألقى التحية ثم قدم نفسه قائلا :”أنا فلان الفلاني معيد بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس ” وذلك بطريقة تشبه أداء عبد المنعم إبراهيم إلى حد كبير فتبسم الدكتور شاهين رحمه الله وقد استشعر أن الطالب يتصنع النطق بالفصحى فقال له :” يا بني كلمني بالعربي” فضحك وضحكنا.
والشاهد أن البعض يتحدث بالفصحى بطلاقة دون أن تستشعر منهم تصنعا أو ارتباكا يضيع فكرتهم فيما أن آخرين تتوه منهم أفكارهم إذا حرصوا عليها وهو بالطبع عيب عمت بلواه على الكثيرين لأسباب عديدة لكنه أضحى واقعا لا نمدحه لكننا نتفهمه وبكل أسف.
أما فيما يخص فصاحة أحمديان وقدرته على التعبير فهو أمر مثير للإعجاب لكنه لا يعني على الإطلاق اعتزاز الرجل باللغة العربية فهو بجانبها وبحسب سيرته الذاتية يتقن لغات أخرى ومن ثم ولأن الحوار يدار بالعربية الفصحى فهو يتحدث العربية يستهدف من ذلك تحقيق أمرين:
الأول: إثبات تفوقه على فرقائه في استخدام اللغة وهو فارسي بينما هم عرب وهي نقطة مهمة أحرزها دون تعب أو مشقة رغم أنها تعكس قدرات خاصة لدى الرجل إذ يمكنه أيضا أن يتحدث الإنجليزية أفضل من الإنجليز أنفسهم.
الثاني: الحرص على الوصول للجماهير العربية بشكل مباشر فالخطاب بالأساس للعرب وليس لغيرهم إذ يدرك الرجل أن حديثه بالفارسية سيضعف من قدرة أفكاره على الاختراق.
وفي هذا السياق وجب أن نطرح سؤالا مهما للمنبهرين بأداء أحمديان وفصاحته حول مدى اعتزاز قادته من الملالي بل والنظام الإيراني كله باللغة العربية؟ وهو سؤال نقصد بالإجابة عنه الكشف عن حقيقة موقف أحمديان والنظام الذي يدافع عنه ويبرر سلوكه من اللغة العربية.
وهنا لا بد أن نؤكد أنه على الرغم من أن إيران تنظر للغة العربية باعتبارها لغة الإسلام ودراساته إلا أنها لا تمنحها موقعا حضاريا أو سياديا داخل الدولة فتتعامل معها كأداة دينية / خارجية لا كلغة هوية وطنية حيث ظلت الفارسية هي مركز الهوية للدولة.
وتأتي قصة لقاء الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مع آية الله الخميني والتي روتها العديد من المذكرات والسرديات السياسية كإشارة كاشفة عن حقيقة موقف النظام الإيراني من اللغة العربية إذ روي أن عرفات عندما توجه لإيران كأول زعيم لتهنئة الخميني بانتصار الثورة تحدث في اللقاء باللغة العربية التي يعلم يقينا أن الخميني يتقنها كونه عالم دين بالأساس غير أن الخميني حرص على أن يجيب أو يخاطب الحضور بالفارسية مستعينا بمترجم فوري بما يؤكد أن الهوية اللغوية الإيرانية بقيت فارسية رغم الخطاب الإسلامي العابر للقوميات.
ومع ذلك فإنه يمكنني أن أقدر رأي البعض حول أن هذه الواقعة لوحدها لا تعد مؤشرا قويا على رفض العربية أو معاداتها غير أننا إذا ما استحضرنا ما يعانيه عرب الأحواز مثلا من حرمانهم من تعليم أبناءهم باللغة العربية وتهميشها فيتم منعهم من استخدامها في التعاملات بينهم فضلا عن فرض القيود على النشاط الثقافي العربي وغير ذلك من السياسات المجحفة التي أشارت إليها تقارير حقوقية ومنظمات دولية والتي يمكن البحث عنها ومطالعتها لاتضح الأمر اكثر.
وللحديث بقية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى