
عندما يقول الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي في ديوانه: شجون الدار البيضاء: ” من كثرة معاشرة الوحش، رائحته تلتصق، الآن، بجلدك”،
فهو يطلق تحذيرا في أن الصراع مع الوحش ، سواء كان فرداً أو ظروفاً أم سلطة، لن يمر بسلام وسيترك في الانتصار أو الهزيمة آثار مخالب على الجلد كآثار ذئب في الرمل، وعندما تصل المخالب الى الجلد، يكون خط الدفاع الأول قد تعرض للصدع.
الذين يقضون حياتهم في صراع مع الوحوش المختلفة الاسماء لا يعرفون ان هذا الصراع قد سرق براءتهم وان الشر الخارجي قد فتح ثغرات ودخل الاعماق دون أن تشعر الضحية.
أي صراع بشري محكوم بالوقت ولا يمكن أن يكون بلا نهاية وعندما يتحول الى صراع أبدي يصبح صراعاً عبثياً كصراع سيزيف في حمل الصخرة من قمة الجبل الى الأسفل وبالعكس طوال حياته كما في الأسطورة .
كما أن الصراع الطويل مع الشر يجعل الضحية تعتاد الشر كجزء من الحياة، أو تطبيع الشر، وهنا تضيع حدود العزل بين الضحية وعدوها، وحتى لو فشل الشر لكنه قد ينجح في أمر أخطر: تحويل الضحية الى شرير بدافع الانتقام أو ما يعرف بـــــــــــ التماهي مع العدو.
أول ما يتشوه في الضحية لغتها التي تلتقي مع لغة العدو الذي يرى الاخرين أشياء وأرقاماً وأعداءً وأدوات شريرة يجب محوها ـــــــــ أدخلها بلا وعي دورة تدريب على التشوه ــــــــــــ وبذلك تنزلق الى خارج لغتها الانسانية لأنها تعتبر ما يفعله العدو مبررا لها لكي تفعل الأمر نفسه وتمنح نفسها حصانة نفسية وتفعل كما يفعل الشرير في اعادة تعريف المفاهيم: القسوة تصبح شجاعة، الخداع علاجا بالطريقة نفسها، يصبح الكذب مبرراً لأن العدو يكذب والخ ومع الوقت تبتلع عدوها ويصبح جزءاً من النسيج العقلي غير الواعي وترى الحياة بمنظاره المشوه. عندما تفقد اللغة براءتها ونظافتها تفقد الضحية سلاحها الرئيس لأنها تصبح عاجزة عن التفكير الطبيعي والسوي. لذلك قال الالسنيون: “اللغة سلطة” حتى وأنا أكتب الآن للقارئ أمارس عليه سلطة الإقناع.
الانسان ولد ليحيا لا لكي يحارب بتعبير بوريس باسترناك مؤلف” الدكتور زيفاغو”. في الصراع الطويل المنهك تكون الضحية قد خسرت الكثير من انسانيتها لأنها مضطرة لاستعمال عناصر القوة للوحش ومع الوقت ينفذ الى أعماقها دون وعي منها وتخسر حتى لو انتصرت.
في كتابه” ما وراء الخير والشر” حذر نيتشه من صراع الوحش:
” من يصارع الوحوش عليه أن يحذر من أن يصبح هو نفسه وحشاً. وعندما تطيل النظر في الهاوية، فإن الهاوية أيضاً تنظر إليك.”
كان الروائي والكاتب المسرحي جان جينيه يحتقر المجتمع الفرنسي الذي نبذه منذ طفولته ـــــــ كلقيط، ولص وسجين، سابقًا ــــــــــ كان يرى في الدولة الفرنسية ومؤسساتها عدوًا شخصيًا،
لذلك شعر بالفرح والشماتة عند احتلال باريس من القوات النازية، لان رؤية الفرنسي وهو يُذل ويُهزم كانت تمنحه شعورًا بالعدالة والمساواة.
الاحتلال كما رأى خلق مساواة عادلة في الخوف والقلق وتساوى الجميع مع جينيه لأول مرة. لكنه التمرد العدمي والسقوط في مصيدة القسوة التي انتقدها.
إستعار الشر للانتقام من مجتمعه ولم ير أي شكل أفضل من ذلك. كان يرى الدبابات وهي تسحق باريس طقوساً للعدالة تحطم كبرياء مدينة رفضته والشماتة هنا طقس عبور من المنبوذ الى الشاهد والشريك في شعائر الخوف والاذلال.
قد يجبرك عدو على الدخول معه في صراع وتتبنى ، عن غفلة، أدواته ولغته في الصراع ، ومع الوقت تنسى من أنت وتصبح المرآة التي تعكسه لأن الشر يمتلك طاقة الاختراق وحتى في نهاية المعركة يغرز الشر أصواته كمخالبه في أعماق ضحاياه حيث تبدأ الضحية في النظر الى نفسها بمعايير الشر لأن صوت الشر لم يعد عابراً بل انغرز في الأعماق.
عندما يغرز الشر أصواته، سيكون نجاة الضحية وهماً حتى في انتصارها، لأنها تصبح صدى لصوته من داخلها وهذا هو الفشل الجنائزي عندما يستولي الصوت على الذات ويحتل عقلها وغدها ومستقبلها ورؤيتها لأنها في صراع الوحش فقدت لغتها وبراءتها بل حتى أهدافها وصارت تفكر فقط في القضاء على الوحش وفقدت المساحة الهادئة النظيفة من الصمت النقي الذي كان يعزلها عن الوحش.
لذلك كنا نقول قبل الاحتلال وسقوط النظام في مقالات منشورة حتى اليوم إن هذه المعارضة خرجت من رحم النظام وتقمصت أساليبه في الصراع كالمحو والسحق ومُلكية الحقيقة والسلطة والشرف والدولة وستعيد انتاج جلادها الذي دربها على قواعده بلا وعي منها ـــــــــــ وهذا ما حدث حرفياً بعد الاحتلال.
عندما تتحول الضحية الى سلطة، تمارس أساليب جلادها كتعويض عن سنوات الذل وتنفيس عن قهر معتق ولان جلادها الأصلي أوصلها الى هشاشة وضعف وأنساها نفسها ولغتها وأهدافها وصحرها ــــــــــــــ في صراع الوحش ـــــــــــــــ وصارت نجاتها ان ترتدي جلد الوحش كدرع بعد أن أفرغها في صراع طويل من كل محتوى بشري نظيف وصارت وحشاً.
عندما تمارس أساليب جلادها تنفصل عن ذاتها دون وعي لأن العملية بطيئة وهادئة ومتدرجة وهذا التحول الصامت ــــــــــــــ المسوخية ـــــــــ يقتل الروح الانسانية فيها ويضمن للشر استمرارية في تعاقب الأجيال ودورة العنف.
بلا وعي تخون الضحية نفسها وقضيتها: من صراع الوحش، من الخوف منه، من حشد الطاقة ضده، تنفذ رائحته الى جلد الضحية، ثم ينغرز صوته، وفي المرآة تظهر صورته كوجه آخر للضحية التي لم تعد ضحية عندما أصبح الشر هوية حتى في انتصارها. ما قيمة أن تنتصر في معركة وتخسر إنسانيتك؟ هذه النتيجة لا تحتاج الى احتفالات بالنصر بل الى طقوس الجنازة.