رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : من صدمة البداية إلى وضوح المسار .. اليوم الخامس ارتباك المعتدين … مفاجآت زلزالية ..!!!

من صدمة البداية إلى وضوح المسار .. اليوم الخامس ارتباك المعتدين…مفاجآت زلزالية .!!

 
تُظهر الحروب الكبرى حقيقتها في اللحظات التي تتبدد فيها ضوضاء الضربة الأولى، ويبدأ الواقع العسكري والسياسي والاجتماعي بالظهور بعيداً عن الدعاية والانطباعات السريعة. ففي الأيام الأولى لأي صراع واسع، تتكاثر الروايات المتناقضة، ويختلط التقدير الإعلامي بالتحليل الاستراتيجي، قبل أن تبدأ الوقائع الميدانية بفرض منطقها الخاص.
في اليوم الخامس لحظة اختبار للسرديات: من صمد؟ من ارتبك؟ من استعاد توازنه المؤسسي؟ ومن اكتشف أن الضربة الأولى لم تكن كافية؟

*أولاً: إيران نجت… والمعتدي في صدمة وارتباك*
  فالحرب في أيامها الأربعة فإنه من الممكن الجزم بأن إيران نجت وتماسكت وكل ما أعلنه ترمب خلال الساعة الأولى “رأس الأفعى قُطع”،وأنه قتل إن القيادة الإيرانية، وإن النظام انهار، وإن المجتمع سيتفكك، وإن المعارضة ستخرج إلى الشوارع لتسقط الجمهورية الإسلامية. لكن ما جرى على الأرض كان مختلفاً تماماً عن هذا التصور. فبدلاً من انهيار الدولة، ظهر تماسك بنيوي للنظام الإيراني، وقدرة على امتصاص الضربة الأولى، وإعادة تنظيم القيادة، وإدارة الحرب وفق إيقاع محسوب يقوم على الاستنزاف وتوسيع مسرح العمليات. وفي الوقت الذي حاول فيه ترامب ونتنياهو تصوير المعركة كضربة جراحية سريعة، بدأت المؤشرات تدل على تحولها إلى حرب طويلة في وحدة جبهات، ودخول دول على خط المواجهة.

*ثانياً: إيران – نظام يُفاجئ  بالفهم الخاطئ له*
إن سوء فهم “السيستم الإيراني” هو الخطأ الجوهري في القراءة الأمريكية–الإسرائيلية الذي تمثل في إسقاط تجارب دول أخرى على الحالة الإيرانية. نجحت واشنطن في تفكيك أنظمة في العراق وليبيا وسوريا، واستثمرت في النتائج، لكنها لم تفهم طبيعة النظام الإيراني فهو
بنية مؤسساتية متشعبة (عسكرية–دينية–مدنية).
شبكة تعبئة اجتماعية عميقة،
عقيدة صبر استراتيجي، وقدرة على توزيع مراكز القرار وتأمينها مسبقاً.
الفرضية التي بُنيت عليها الضربة كانت أن “الصدمة الرأسية” ستُنتج انهياراً هرمياً. لكن طهران تعمل وفق هندسة أفقية متعددة العقد، لا رأس واحداً يُسقط البناء كله.
في حين أعدت إيران إدارة الحرب كحرب استنزاف لا حرب ضربة قاضية
لم تلجأ إيران إلى “كبسة زر” بعشرة آلاف صاروخ في يوم واحد، كما يتوقع الخطاب الإعلامي الانفعالي. بل اختارت:
– توزيع الضربات.
– استنزاف منظومات الاعتراض.
– استهداف الرادارات (إطفاء العيون).
– إدارة الاقتصاد الحربي بهدوء.
هذه ليست حرب استعراض ناري، بل حرب أعصاب ونَفَس طويل.

*ثالثاً: معضلة الكلفة – معادلة 30 دولار مقابل ملايين*
من أبرز عناصر التحول في هذه المواجهة هو  انتقال إيران بعد سلسلة ضربات أطفأت فيها العيون الرادارية واستنفذت كما” هائلا” من السلاح الأمريكي الإسرائيلي، انتقلت في المرحلة التالية إلى تفعيل اقتصاد الحرب
طائرة مسيّرة منخفضة الكلفة (شبيهة بـ”شاهد 134″) قد لا تتجاوز كلفتها عشرات أو مئات الدولارات يتصدى له صاروخ اعتراض من طراز باتريوت أو ثاد تصل كلفته إلى ملايين الدولارات.
في الحروب الحديثة، الاستنزاف المالي لا يقل خطورة عن الاستنزاف العسكري.
وإذا استمرت المعادلة: “رخيص يُنهك الغالي”، فإن الزمن يصبح عاملاً حاسماً.

*رابعاً: البحر يدخل الحرب – مضيق هرمز وباب المندب والمدمرات الأمريكية أهداف في منطقة القتل المؤكد*
أهمية المضيق لا تكمن فقط في عبور النفط، بل في كونه شرياناً مالياً–استراتيجياً عالمياً.
عندما يُلوّح بتعطيله – حتى جزئياً – فإن الأسواق ترتجف قبل أن تُغلق المياه فعلياً.
وإما إعلان واشنطن نيتها مرافقة ناقلات النفط عسكرياً فهو قرار سيصلي الإيراني كثيرا ليأخذه ترامب فوجود المدمرات عندها سيكون هدفا في مدى الإصابة المجدي للإيراني والحوثي الذي يعتبر  أنه رأس السهم ومفاجأة الحرب القادمة، ويرسم سيناريو المهام لحكومة صنعاء وهو استهداف القواعد الأميركية في إفريقيا، واستهداف حاملات الطائرات في البحر الأحمر والمحيط الهندي وبالتأكيد إغلاق باب المندب.

*سادساً: المعضلة الأمريكية – الصناعة والذخيرة*
بعد إعلان ترامب عن أمر رئاسي لتحول شركات إلى صناعة الذخيرة  إن عذا  مؤشر لافت يؤكد الحديث عن تراجع مخزون منظومات الاعتراض وهو ما اضطرار الإدارة الأمريكية للحديث عن أوامر رئاسية لإعادة توجيه الصناعات العسكرية.
ولأن الحروب الطويلة تختبر الاقتصاد الصناعي.
وإذا كانت الحرب في أوكرانيا قد استنزفت مخازن غربية، فإن فتح جبهة إقليمية واسعة يزيد الضغط على خطوط الإنتاج التي لن تتمكن من تعويض الفاقد في معركة تحولاتها الفرط استراتيجية تقاس بالدقائق لا بالأيام.

*سابعاً: الحرب النفسية وسقوط السردية*
في الساعة الأولى للهجوم قال كل من ترامب ونتنياهو إن القيادة الإيرانية قُتلت أو شُلّت؛
لم تُثبت الوقائع ذلك.
و أن الشارع الإيراني سينفجر، لم تظهر انتفاضة شاملة.
قالا إن التفوق الجوي سيحسم،
لكن استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات يعني أن القدرة الصاروخية لم تُجتث.
الفارق الجوهري إيران لا تعلن إلا ما تملك القدرة عليه.
بينما الخطاب الإسرائيلي–الأمريكي يوظّف تضخيم الإنجاز كأداة نفسية.
لكن الحرب بيد من يملك القدرات لا من يطلق التصريحات الخلبية.

*ثامناً: سؤال النصر والهزيمة – كيف يُقاس الاتجاه؟*
حتى اليوم الخامس،  يمكن تسجيل المؤشرات التالية:
– تماسك الداخل الإيراني
مرتفع في مقابل اضطراب وقلق داخلي في كل من أمريكا وإسرائيل.
– ارتباك السردية الأمريكية والإسرائيلية واضح بهوة كبيرة بين التصريح والإنجاز.
– فرص التصعيد البري تعمل لصالح إيران والمعتدي لا يمكنه حسم المعركة من الجو.
– بعد إطفاء العيون الرادارية واستهداف الأصول اللوجستية والعسكرية بات واضحا استنزاف منظومات الاعتراض وقريبا ستنخفض فعالية القدرة النارية للمعتدي متحولا” إلى استهداف بنى تحتية مدنية بأسلحة بمليارات الدولارات
– تماسك في الداخل الإيراني والعمل وفق خطة واضحة تسير بالضبط كما تم الإعداد لها.
– لم يعد هناك ما يفاجئ إيران بينما هناك الكثير مما يبدو أنه سيفاجئ المعتدي.
الحرب لم تُحسم.
لكن الاتجاه العام يشير إلى أن “الضربة القاضية السريعة” لم تتحقق وإيران تدير المعركة وتتحكم بكل مساراتها.

*تاسعاً: السيناريوهات المقبلة*
مجموعة من السيناريوهات المطروحة في الأيام المقبلة:
– تصعيد بحري واسع يشمل استهداف مباشر لقطع بحرية.
– توسيع جبهة اليمن بشكل مفاجئ ومكثف.
– فشل أي محاولة فرض واقع محدود في لبنان لخلق صورة إنجاز.
– ضربات نوعية متبادلة على بنى تحتية استراتيجية.
كل سيناريو يحمل مخاطرة التحول إلى حرب إقليمية مفتوحة بالكامل.

*عاشراً: الخلاصة – اليوم الخامس كلحظة انعطاف*
الحرب الآن في مرحلة اختبار الإرادات لا اختبار الصواريخ فقط.
إذا صمدت إيران زمنياً، يصبح الوقت حليفها.
إذا عجزت إسرائيل عن تحقيق صورة انتصار سريع، يتعمق القلق الداخلي.
إذا تورطت واشنطن بحرياً أكثر، يرتفع خطر الانزلاق غير المحسوب.
ما يتكشف ليس فقط ميزان قوة عسكري، بل ميزان قدرة على إدارة حرب طويلة متعددة الجبهات.
والأهم في الحروب الكبرى، من يخطئ في قراءة خصمه منذ البداية، يدفع الثمن لاحقاً مضاعفاً.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى