رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:الولايات المتحدة وإسرائيل بين الديمقراطية الداخلية والسلوك الإمبراطوري الخارجي

ما يثير الدهشة ليس أن دولة ديمقراطية قد تخوض حروباً، بل أن تمارس في حروبها نفس أساليب الأنظمة الاستبدادية التي تدّعي محاربتها.
نرصد هنا ظاهرة التناقض بين البنية الديمقراطية الداخلية للولايات المتحدة وإسرائيل، وسلوكهما الخارجي الإمبراطوري في حرب غزة والحرب على إيران. وسنبيّن أن هذا التناقض ليس صدفة، بل نتاج طبيعي لنموذج “الديمقراطية المحصورة” التي تنعم بالحقوق داخلياً وتنتهكها خارجياً، مدعومة بمنظومة إعلامية ودبلوماسية تكرس ازدواجية المعايير.
ونخلص إلى أن الشعور العالمي بـ”الغرابة” يعكس انكشاف الفجوة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الإمبريالية، مما يقوّض شرعية النظام الدولي الذي تقوده هذه الدول.
أولاً: الفرضية – لماذا نرتضي من بوتين ما لا نرتضيه من ترامب؟
الانزعاج العالمي من سلوك أمريكا وإسرائيل في حرب غزة (2023-2024) والمواجهات مع إيران(2025-2026)لا ينبع من شدة العنف فقط، بل من توقعنا الأخلاقي المغاير. فحين يفعل بوتين الأمر نفسه، نعتبره “طبيعياً” لأن النظام الروسي استبدادي وغير خاضع للمساءلة الشعبية أو القضائية الحقيقية. أما واشنطن وتل أبيب، فلديهما برلمانات نشطة، وقضاء مستقل، وصحافة حرة، ورأي عام مؤثر. فلماذا إذن لا تعكس هذه الضوابط نفسها على السلوك الخارجي؟
الجواب المباشر: الديمقراطية الداخلية لا تستلزم أخلاقيات خارجية. بل على العكس، فالأنظمة الديمقراطية قد تكون أكثر وحشية خارجياً عندما تُعبئ القومية والشعور بالتفوق المدني.
ثانياً: تشخيص التناقض – ثلاث طبقات
ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي
إزاء روسيا: عقوبات فورية، ملاحقات جنائية، دعم عسكري لأوكرانيا بتفويض ضمني لاستهداف الأراضي الروسية.
إزاء إسرائيل: استخدام الفيتو الأمريكي لحماية تل أبيب من أي إدانة دولية، استمرار شحن الأسلحة رغم مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتعطيل أي قرار لوقف إطلاق النار في غزة.
هذا التطابق الهيكلي (قصف مدن، حصار، تدمير بنى تحتية) مع ردة فعل معاكسة تماماً يُفقد القانون الدولي مصداقيته.
السلوك الإمبراطوري في غياب التبرير الاستراتيجي الواضح
ما يميز حرب غزة 2023-2024 أنها لم تكن رداً على تهديد وجودي (حماس لا تملك القدرة على اجتياح إسرائيل)، بل كانت فرصة لإعادة ترتيب الإقليم: تهجير سكان غزة، تحييد فكرة المقاومة . هذا السلوك – فرض إرادة بالقوة المفرطة وإعادة رسم الخرائط – هو جوهر الإمبريالية الكلاسيكية، وليس “دفاعاً عن النفس” كما تروّج الرواية الرسمية.
ثالثاً..غياب المساءلة الخارجية رغم وجود الديمقراطية الداخلية.
المفارقة الكبرى: داخل أمريكا وإسرائيل، هناك نقاشات وجدل حول الحرب، بل ومحاكمات رمزية لانتهاكات فردية. لكن هذه الآليات لا تترجم إلى تغيير في السياسة لأن:
الرأي العام الأمريكي يؤيد إسرائيل لأسباب لوبيوية وأيديولوجية.
النظام السياسي الإسرائيلي يجعل الائتلافات الحكومية رهينة للأحزاب اليمينية المتطرفة.
المؤسسة العسكرية الأمريكية تتعامل مع “الشرق الأوسط” كمنطقة استثنائية لا تسري عليها قواعد الاشتباك المطبقة في أوروبا.الشعور بأن الأمر “غريب” وربما مقبول من بوتين لكن ليس من أمريكا – يعود إلى ثلاثة عوامل:
الصدمة الأخلاقية: لطالما صُدرت إلينا الصورة النمطية لأمريكا كـ”شرطي العالم” النزيه، وإسرائيل كـ”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. حين تنهار هذه الصورة، يكون الرد فعل أقسى مما لو كانت دولتان معروفتان بسلوكهما الإمبريالي.
التباين التغطوي الإعلامي: وسائل الإعلام الغربية صورت حرب أوكرانيا وكأنها “حصار شجاعة” لأوكرانيا، بينما صورت المقاومة في غزة كـ”إرهاب”. هذا الإعلام المزدوج زاد من الإحساس بالظلم.
الاستعلاء المدني: عندما تدّعي الدول الديمقراطية أنها تحارب من أجل “القيم” ثم تنتهكها، يكون الخيانة أكبر مما لو كانت دولة استبدادية لا تدّعي شيئاً.
رابعاً: هل هذا التناقض فريد أم هيكلي؟
ليس فريداً. التاريخ يشهد على سلوك مماثل: فرنسا في الجزائر، بريطانيا في الهند، وحتى أمريكا في فيتنام والعراق. لكن الجديد هو مدى التداخل بين الديمقراطية الإجرائية الداخلية والإمبريالية الخارجية في عصر العولمة. المشكلة ليست في “ديمقراطية مزيفة” (كما يروج البعض )، بل في أن الديمقراطية الليبرالية تحمي حقوق مواطنيها فقط، ولا تملك آليات ذاتية لكبح جماح سياستها الخارجية طالما أن المواطنين أنفسهم يستفيدون (أو يعتقدون أنهم يستفيدون) .
التناقض بين الديمقراطية الداخلية والسلوك الإمبراطوري ليس مفارقة، بل هو خاصية بنيوية للنظام الرأسمالي الغربي الذي يُشرعن العنف الخارجي طالما كان داخله آمناً. الحرب على غزة والمواجهة مع إيران كشفتا القناع: أمريكا وإسرائيل ديمقراطيتان للمواطن الغربي/اليهودي، لكنهما إمبراطوريتان بلا رحمة لمن يقف في طريقهما.
ما نراه ليس وهماً، بل حقيقة مكشوفة للعيان: تصرف الديمقراطيين كإمبراطوريين هو أكبر دليل على أن الديمقراطية وحدها ليست ضماناً للعدالة، وأن “الاستثناء الغربي” مجرد ذريعة لإعادة إنتاج الهيمنة بأدوات أكثر تعقيداً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى