قراءة تأويليّة تفكيكيّة في نص “رئة ثالثة ” للشاعر زكريا شيخ أحمد / بقلم الدكتور ناصر أبو عون

زكريا الشيخ أحمد في “رئة ثالثة”
ناصر ابوعون
أولا- القصيدة [(رئةٌ ثالثة)/ أخلع اسمي/ كما تُخلع ضمادةٌ قديمة/ تحتها لا شيء/ إلا أثرُ الألم وهو يتعلم المشي/ في حلقي درجٌ مكسور/ كل كلمةٍ تصعد/ تسقط/ ليس لغاية الطمأنينة/ أمدّ يدي إلى صدري/ ولكن لأتأكد أن الفراغ/ ما زال في مكانه/ قلبي آلةٌ لا تعرف الإيقاع/ تجرّب النبض/ كما يجرّب أعمى/ ضوءًا لا يراه / أفتح فمي: يخرج هواءٌ كثيف/ كأنه كان يفكر بي/ قبلي/ أيها الجسد… كم مرّةً يجب أن تتفكك/ لتفهم أنك لستَ بيتًا؟/ أجلس في ظلي/ أقنعه أن يقوم بدوري/ وأختفي قليلًا/ لأرى هل يبقى أحد/ لا أحد / لكن شيئًا ما يستمر/ ليس أنا، ليس غيري/ ولكن هذا العبور/ الذي يتعلّم كيف يكون].
ثانيا- قراءة تأويليّة تفكيكيّة:
زكريا الشيخ أحمد شاعر سوري يعزف وجع المنافي على آلة البُزُق ألحانًا لم يمسسها شيطان الشعر بقافية الجنون، فلمّا أنْ عضّت أفعى التَّرحُّل القسريّ قلبه، وأكلت دابة الاغتراب منسأة وطنِه المتكيء على صدر الحضارات القديمة خَرَّ ساجدًا يبحث عن (رئة ثالثة). في هذا النص سنحاول تفكيك الحلقات المتشابكة لفكرة النصّ المحوريّة؛ بُغية الكشف عن انزياحات الخطاب الشعريّ داخل مداراتها، والبحث وراء أسباب انهيارات مركزها الدلاليّ، أمّا على صعيد التأويل سنحاول البحث عن آفاق المعنى المتخفيّة تحت أغشية الكلمات، وإزالة الغشاوة عما حدث من تحوّلات جذرية للذات الشاعرة.
فمن وجهة نظر تفكيكية فإنّ زكريا الشيخ أحمد في نص (رئة ثالثة) لا يبتدع هُوية جديدة، بل يوظِّف أدواته لتفكيك الهويّة القديمة والثابتة، ويأخذ القاريء من يده ويجلسه وسط حديقة من ازهار العلامات المتحركة؛ لذا سنرصد (ذات لا هي نفسها ولا هي غيرها)، وسنقبض على (ظل يقوم مقام الأصل)، ونعثر على (اسم بلا جوهر)، ونقابل (جسد لا بيت)؛ ومن ثَمَّ فإن معنى هذا النصّ تمَّ إنتاجه عبر رفع درجة التوتر بين (الذات واللاذات)، و(الكينونة المتماسكة والتفكك)، و(الحضور والغياب).
وعبر آلية التفكيك سنكتشف مع زكريا الشيخ أحمد كيف أمكن هدم أفق المعنى داخل النصّ عبر الاستعانة برزنامة من العمليات المتوالية، وهي: [أ] تقويض مركز الهويّة، وهو (الاسم/ أخلع اسمي) بإزالته في مطلع القصيدة، ولكن الشاعر لا يستبدله هنا بهويّة جديدة، بل (لا شيء)، ومن ثم تسقط فرضية وجود جوهر ثابت وراء العلامة. [ب] حضور الغياب: حيث نجد أنفسنا أمام مجموعة من الثنائيات غير المستقرة(الاسمX اللاشيء)، و(الأناXالعبور)، و(الجسدXاللابيت)، و(القلب Xاضطراب الإيقاع)؛ وكل عنصر من هؤلاء سيُخيّل للقاريء أنه حاضر؛ بينما هو في حقيقته فَقَدَ مركزه الدلاليّ. [ج] تفكيك الجسد: سيلاحظ القاريء أيضًا من خلال هذا المقطع (أيها الجسد/ كم مرة يجب أن تتفكك/ لتفهم أنك لست بيتًا) أن زكريا الشيخ أحمد يشتغل على هدم العلاقة الطبيعية بين الذات وجسدها، للتاكيد على أنّ الجسد فَقَدَ صفة الحماية. [د] تبادل المواقع: وهنا نجد التجلّي الرائع في عملية الارتفاع بالهامش إلى مرتبة المركز؛ كما في قوله: (أجلس في ظلي/ أقنعه أن يقوم بدوري). [هـ] المعنى مؤجّل وغير مكتمل: لذا لا تستقر الدلالة عند مركز محدد، كما في قوله:(ليس أنا، ليس غيري) وهنا يظهر بوضوح النفي الكامل لطرفي الثنائية معا.
أمّا وجهة نظر تأويلية سنجد العنوان (رئة ثالثة) يخرق العادة، ويؤكد على حاجة الذات لوسيلة غير مألوفة تتنفس بها؛ لكون الرئتين البيولوجيتين غير كافيتين لحمل المعنى أو الوجود. وعلى مقلب آخر يمكن تأويل (الرئة الثالثة) على ثلاثة معانٍ: وعي ناضج وَلَّدتْه أزمة التغريبة السورية، أو بمعنى مساحة وجودية تقع في منتصف المسافة بين الحياة والموت، أو بمعنى القدرة على مواصلة الحياة رغم تفكك الهوية الوطنيّة على خارطة المنافي الشاسعة.
ومن ناحية أخرى تستبين لنا أزمة الهوية التي يعيشها زكريا الشيخ أحمد ومعه ملايين السوريين في تغريبتهم التي طال أمدها من خلال عبارة “(أخلع اسمي كما تُخلع ضمادة قديمة)؛ لكن المفاجأة أن الضمادة ليس تحتها شيء إلا أثر الألم وهو يتعلم المشي). فضلا عن عجز اللغة من خلال قوله:(في حلقي درجٌ مكسور/ كل كلمةٍ تصعد/ تسقط)، فالذات في هذا المقطع تدرك وجودها ولكن للأسف عاجزة عن تحويل هذا الإدراك إلى خطاب مكتمل.
وفي الأخير يمكننا القول – من وجهة نظر تأويلية – إن زكريا الشيخ أحمد أراد التأكيد من خلال نصّه الإشكاليّ (رئة ثالثة) على أنّ الهويّة ليست صنمًا، وأنّ ثباتها يؤشّر على موتها، والإنسان في رحلة تكوين و(عبور متواصل)، بينما تأتي الرؤية التفكيكية لتنفي فكرة الاستقرار، وأنّ المعاني مفتوحة على احتمالات شتى، وأن (العبور) لا يكتمل، بل (يتعلّم كيف يكون). ومن ثَمَّ فإنّ هذه القصيدة تشبه بندول ساعة حائطية يتأرجح بين قطبين: رغبة عارمة في بناء (معنى) تصطدم برغبة مضادة تكشف عن استحالة اكتمال هذا المعنى. a