التريميد كفنٍّ نسوي شفهي في التراث البدوي بعين البيضاء – ولاية ورقلة.. دراسة ثقافية في ضوء الحماية القانونية للتراث الثقافي غير المادي.. بقلم الكاتب والباحث: محمد عدنان بن مير

تزخر المجتمعات البدوية في الجنوب الشرقي الجزائري، ولا سيما بمنطقة عين البيضاء بولاية ورقلة، بموروث ثقافي شفهي غنيّ شكّل عبر قرون طويلة وسيلةً للتعبير عن الوجدان الجماعي، وحفظ الذاكرة الاجتماعية، ونقل القيم والعادات من جيل إلى آخر. ومن بين أبرز هذه المظاهر الثقافية يبرز فن التريميد بوصفه فناً نسوياً شفهياً ارتبط بالمناسبات الاجتماعية والدينية، كالأعراس، والختام، والحج والعمرة، ومراسم الوداع والاستقبال.
وقد تجاوز التريميد كونه مجرد إنشاد عفوي، ليغدو خطاباً رمزياً يعكس معاناة المرأة البدوية، وأفراحها، وأحزانها، كما يوثق يوميات المجتمع البدوي في الحلّ والترحال، ويعبّر عن علاقته بالمقدّس وبالأسرة وبالمكان. غير أنّ هذا الفن ظلّ حبيس التداول الشفهي، ومعرّضاً لخطر الاندثار في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، رغم ما يحظى به التراث الثقافي غير المادي من اعتراف قانوني واهتمام دولي.
وانطلاقاً من ذلك، تطرح هذه الدراسة الإشكاليات الآتية:
ما مفهوم التريميد في التراث البدوي بعين البيضاء؟ وما وظائفه الاجتماعية والرمزية؟ وكيف أسهم في توثيق الذاكرة الجماعية؟ وإلى أي مدى وفّرت المنظومة القانونية الوطنية والدولية آليات فعّالة لحمايته من الاندثار؟
للإجابة عن الإشكاليات المطروحة، تقوم هذه الدراسة على الفرضيات الآتية:
يُعدّ فن التريميد في منطقة عين البيضاء شكلاً من أشكال التراث الثقافي غير المادي، تتوافر فيه الخصائص المعتمدة وطنياً ودولياً، لكونه ممارسة شفوية تقليدية تعبّر عن هوية جماعية متوارثة.
لا يقتصر التريميد على الوظيفة الفنية أو الاحتفالية، بل يؤدي أدواراً اجتماعية ووجدانية وتوثيقية، جعلته وسيلة لحفظ يوميات المجتمع البدوي والتعبير عن مشاعره وقيمه.
يعاني فن التريميد من ضعف الحماية الفعلية، رغم وجود إطار قانوني وطني ودولي، بسبب غياب الجرد الرسمي والتوثيق المؤسسي.
إن تفعيل آليات الحماية القانونية، مع إشراك المجتمع المحلي والنساء الممارسات لهذا الفن، من شأنه أن يساهم في صونه وضمان استمراريته.
أولاً: مفهوم التريميد وجذوره في المجتمع البدوي بعين البيضاء
يُعدّ التريميد نمطاً من الإنشاد النسوي الشفهي تؤديه النساء غالباً بشكل جماعي، دون استعمال آلات موسيقية، معتمداً على الصوت والإيقاع والترديد. ويُرجع أهل المنطقة تسميته إلى طريقة إخراج الصوت من الصدر محمّلاً بالشجن، في إيقاع بطيء يتناسب مع طبيعة المناسبة والرسالة الوجدانية المنقولة.
في منطقة عين البيضاء، ارتبط التريميد بالمحطات الأساسية في حياة الفرد والجماعة، وكانت المرأة البدوية الحافظة الأساسية لهذا الفن، تنقله بالممارسة والسماع، في غياب التدوين، ما جعله عنصراً أصيلاً من عناصر التراث الثقافي غير المادي.
ثانياً: التريميد كأداة للتعبير عن الفرح والحزن
رافق التريميد مختلف المناسبات الاجتماعية، فكان وسيلة للتعبير عن الفرح الجماعي في الأعراس، حيث تتغنّى النساء بالعروس وأهلها، ومن الأمثلة المتداولة في عين البيضاء:
يا عروسة زينك بان
دار أهلك عامرة إيمان
ربي يجعل دربك أمان
وتعيشي في ستر وحنان
وفي المقابل، يتحوّل التريميد في لحظات الفراق ووداع الحجاج والمسافرين إلى خطاب حزين يعكس عمق الروابط الاجتماعية، مثل:
يا رايح لبيت الله
لا تنسينا في الدعاء
القلب معاك يا غالي
والدمعة شاهدة وفاء
ويبرز من خلال ذلك البعد الوجداني العميق لهذا الفن، بوصفه لسان حال الجماعة ومرآة لمشاعرها.
ثالثاً: التريميد كتوثيق شفهي ليوميات المجتمع البدوي
لم يقتصر التريميد على التعبير العاطفي، بل شكّل سجلاً شفهياً ليوميات المجتمع البدوي، موثقاً الترحال، والصبر على قسوة الطبيعة، وقيم التضامن والتكافل. ومن النصوص المتداولة:
صبرنا على حر القيظ
ومشينا درب طويل
الرفقة زاد المسير
والنية لربي سبيل
وبذلك، يمكن اعتبار التريميد وثيقة شفوية غير مكتوبة، تحفظ الذاكرة الجماعية وتؤرخ لتجربة البدو في الصحراء.
رابعاً: التريميد في ضوء الحماية القانونية الوطنية والدولية
أقرّ المشرّع الجزائري مبدأ حماية التراث الثقافي بنوعيه المادي وغير المادي، حيث نصّ الدستور الجزائري المعدّل سنة 2020 على التزام الدولة بحماية التراث الثقافي الوطني. كما صدر القانون رقم 98‑04 المؤرخ في 15 جوان 1998 المتعلق بحماية التراث الثقافي، الذي وضع إطاراً قانونياً لصون التراث الثقافي غير المادي، بما في ذلك الفنون الشعبية والتقاليد الشفوية.
وعلى الصعيد الدولي، صادقت الجزائر على اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لسنة 2003، التي تلزم الدول الأطراف بحصر عناصر التراث غير المادي، واتخاذ تدابير فعّالة لضمان استمراريتها، مع إشراك المجتمعات المحلية في عملية الصون.
غير أن فن التريميد، رغم استيفائه لشروط التراث الثقافي غير المادي، لايزال خارج نطاق الجرد الرسمي، ويعاني من ضعف التوثيق والتثمين، مما يجعله مهدّداً بالاندثار في ظل التحولات الاجتماعية وهيمنة الأنماط الثقافية الحديثة.
يتبيّن من خلال هذه الدراسة أن فن التريميد في منطقة عين البيضاء بولاية ورقلة ليس مجرد ممارسة فنية نسوية، بل هو موروث ثقافي غير مادي يحمل أبعاداً اجتماعية ووجدانية وتاريخية، أسهم في حفظ الذاكرة الجماعية للمجتمع البدوي، ونقل معاناته وأفراحه وقيمه عبر الأجيال.
ورغم توفّر إطار قانوني وطني ودولي لحماية التراث الثقافي غير المادي، فإن فعالية هذه الحماية تبقى مرهونة بالتجسيد العملي، من خلال الجرد، والتوثيق، والدعم المؤسسي، وإشراك النساء الحافظات لهذا الفن في سياسات الصون والتثمين.
ومن ثمّ، تظل الإشكالية الجوهرية المطروحة هي:
إلى أي مدى يمكن تفعيل الآليات القانونية الوطنية والدولية لضمان حماية فن التريميد وصونه من الاندثار، وتحويله من ممارسة شفوية مهددة إلى عنصر معترف به ضمن التراث الثقافي غير المادي الجزائري؟
بقلم الكاتب والباحث: محمد عدنان بن مير