رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : محنة الرمادي

أكثر الألوان تعرض للقسوة والظلم والتأويل هو الرمادي حتى علم النفس شارك في ذلك ووصف الرمادي بلون الحياد والحزن والكآبة والمأساة لأنه
ليس بالأبيض ولا الأسود بل من مزجهما،
لكنه أصاب في وصفه كمنقذ من فوضى العالم.
مفسرو الأحلام دخلوا على الخط، قالوا إن الرمادي في الحلم إنذار بوقوع خطر، كيف يكون الحيادي خطراً؟
يقولون إن الرمادي لا يثير الانتباه لكنه يشرق مع الألوان الفاتحة،
وهي صفة الأعزل الذي يُشرق في حضور نقي،
لكنه المنسي وغير المرئي والمنطفيء في الضجيج.
كان لون محطة القطار رمادياً ذلك النهار، كان لون الرصيف رمادياً ذلك الصباح ومعطفي رمادي، لماذا يحضر الرمادي في الغياب؟
هو لون العزلة شرط عدم طلي المنزل به في كل مكان لكي لا تعم الكآبة،
لأنه متقشف وزاهد وطفولي يحب العزلة لانه مكتمل بذاته،
ليس الانزواء بل الهروب من الضجيج الى النشيج وهو يعيش في قلب الحياة.
محنة الرمادي انه لا يشبه احداً غير نفسه لذلك يعيش خارج الالوان مثل كناري بين الغربان، غريب اللون وغريب الصوت.
ميلان كونديرا الروائي قال إن الرمادي هو لون الحنين في رواية” الجهل” وهي فكرة محورية عنده لكنه في قول آخر اعتبر البرتقالي هو لون الحنين:
” غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل شيء ألق الحنين،
حتى المقصلة”.
ليس الأسود الواضح يليق بك، بل الرمادي المتعدد الغامض الرصين. هل الرمادي، إذن، لون أم إحساس؟
لا يمكن القبض على الرمادي لأنه التعدد والتشظي والبعثرة، لا يمضي في اتجاه وبُعد واحد، ليس لون السذاجة العارية وليس وقحاً،
وحيد لكنها وحدة نجم مشع وعزلته عزلة شفق. هو في عزلته ضاحية مزدحمة.
عن أي شيء أتكلم؟ عن الرمادي أم عن ماذا؟ هل أكذب أم أراوغ ولا أفصح؟ لماذا أفصح إذا كان الأمر خاصاً؟ هل الرمادي أنا ام هي ام نحن الابيض والاسود؟
لا أظن الرمادي يولد من الأبيض والأسود، يمكن أن ينبثق في أية لحظة
من حديقة أو موعد أو موسيقى،
أو من وداع وربما من أغنية أو سماع نوبة بكاء متخيَّل لطفل يبكي في
الخطوط الأمامية في الحرب أو من مزج الدخان وأحاسيس القلب
ولون الغسق المحترق والأسلاك الشائكة، لون براءة جريحة.
عازف البيانو غلين غولد وصف قطعة موسيقية بالقول” مدىً …أبدي من الطيف الرمادي تترك الطابع الاستثنائي لكون يمتد بلا نهاية”.
أكثر الكتب قراءة في سجن غوانتامو رواية: ” 50 ظلاً للرمادي” للروائية البريطانية أي أل جيمس، وقد بيع منها أكثر من مئة مليون نسخة،
وتحولت الى فيلم وأبعد من ذلك استغلت الشركات التجارية اللون الرمادي بوضع اعلانات للشاي والتايت ودب من القماش الرمادي وصبغ الشعر مستفيدة من النجاح الهائل للفيلم الذي يصور مشاهد حسية وهي روايتها الأولى.
كيف إذن يكون الرمادي ليس من الألوان الحارة وليس من الألوان الأساسية،
وليس لوناً بنفسة بل هو فقط هو مزج الأبيض والأسود؟
هوية الرمادي في كونه بلا هوية، هو ولادة وانبثاق وخلق وليس لوناً جاهزاً،
وخارج التصنيف والاختزال، هو أيضاً…موقف.
في الغرب الرمادي لون الكآبة والحزن والرصانة قبل أن يصبح لون الأزياء
وصبغ الشعر وأثاث المنازل، وفي الصور تبدو المدن في الحروب بلون
رمادي عميق.
لكن الهندوس عبدوه كلون مقدس، ربما عدم وضوح الرمادي يجعله عصيّاً
على التفسير وهو في الحقيقة لا يُفسر، هو يترك أثراً حسياً ومشاعر صفاء.
عند محمود درويش يكون الأمر مختلفاً: ” الرمادي إعتراف، والسماء الآن ترتدَ عن الشارع،
والبحر، ولا تدخل في شيء، ولا تخرج في شيء، ولا تعترفين،
ساعتي سقطت في الماء الرمادي، فلم أذهب الى موعدك الساطع…؟
كوني حائطي كي أعبر”.
لكل واحد منا لونه الرمادي وكما قال الشاعر وليام ييتس:
” ما الذي فعلته… هي، لكي تصير… هي؟
أثمة طروادة أخرى تشتهي الحريق؟”.
أحياناً يسقط اللون الرمادي في أي وقت كسقوط أوراق الخريف وضوء
القمر فوق أنثى تستحم قرب نبع ماء وشجرة منعزلة.
الرمادي طفل مشرد تربكه الهدية يبكي في عزلة الليل فوق رصيف بارد.
هو أسد في قفص يحلم بالغابات والبراري والأمطار والصيد.
هو أعزل يتسول الوقت قبل أن ترفع السفينة حبال القلوس وتقرع أجراس الرحيل نحو الرمادي الأبدي:
كيف إذا التقى هؤلاء : طفل واعزل واسد في قفص في منفى ولا أحد في مكانه الحقيقي؟
ذاكرة الرمادي في الأمام، في المنعطف القادم، في المؤجل، في غير المكتمل، في الحلم، في الخطوات لا في الطريق، في الخيال لا في الذاكرة لان الخيال خلق والذاكرة استعادة. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى