كتاب وشعراء

“نصف ساعة حب” قصة من إعداد ……. عيسى جعفر // اليمن

“نصف ساعة حب”

                   قصة قصيرة.

الحرب: ليست سوى ثقب في ذاكرة الوطن…سقط منه الحب والكتب..الاطفال والامهات..الاحلام والامنيات..الفجر والشباب..ليمتلئ المكان بما لا يليق بالرب والحياة: رعب ورهاب..غبار وبارود واشياء غياب…شک وارتياب..ضياع وضلال واغتراب….

في أروقة الجامعة لم يكن حسين وسامي مجرد زميلين وحسب..بقدر ما كانا روحا واحدة في جسدين ..تقاربت أفكارهما حتى تعانقت رؤاهما..وشيدا معا صرحا من الصداقة الزاخرة بالثقافة والإنسانية والحياة النبيلة..غير أن لعنة الحرب حين أطلت برأسها الكالح.. مزقت ذلك الصرح في طرفة عين..ليختار كل منهما دربا مغايرا للاخر..فتنشطر الروح الواحدة الى شطرين..لينحاز كل الى فئة..فيتحولا فجأة من اصفياء روح الى اعداء ألداء….
اييه بلد العقيق!
هلا اخبرتني
يوم ان خان الصديق
الصديق!
من خانک اولا:
خطاک والنور..ام شوكة
انشبها الليل
في حلق الطريق..؟!!

صار حسين قائدا لجبهة في الشمال..بينما غير سامي اسمه إلى “عمر” ليصبح قائدا لجبهة في الجنوب.. كان كل منهما يتربص بالآخر..يبحث عنه باضطراد يبتغي قتله ظنا منه انه يقاتل عدو الله ورسوله…

تزوج حسين من فتاة يافعة..يقطر وجهها رقة وجمالا..ويفيض قلبها الاجمل نبلا وجلالا..ملأت حياته حبا و رضا ..واحالت ايام عمره حقولا مخضرة فيها الربيع مقيم..يهدي صباحاتهما اغاني العطر و اناشيد الزهور والورود..
كان عند كل إجازة خاطفة يعود فيها من أتون لعنة المعارك.. يجلس إليها ليحدثها عن كل شيء: حبه للوطن..بغضه الشديد لليل الاسود الذي يجثم على صدر الحياة كعنكبوت ضخم..عشقه للصباح وتغريدات عصافيره التي تزاحمه من ظمأ على شرب ابتسامتها..عن صديقه سامي و نبل قلبه..وسعة ثقافته..وعن أيام السلم الناعمة قبل أن تدنسها دماء النزاع..متناسيا لحظة إذ انه ما عاد صديقه الذي كان وخليله…كان يحدثها عن كل شيء ما عدا الحرب..لماذا..؟
ليس ثمة من يعلم لماذا كان يتحاشا الحرب في حديثه ذاك غير انفاسه الحارة التي يطلقها بين الحين والحين بهيئة زفرات مشوبة بالتيه الخالد..والتذبذب بين الشك واليقين…
لكن زوجته..التي كفرت بالحرب بعدما رأت ما فعلته بالبلاد والعباد تأبى ان تنسى قبحها طرفة عين كيف لا..و رائحة البارود المنبعثة من روحه العمياء تقتحم انفها فتفسد رائحة الحب في اثواب صوته….لتجد نفسها مرغمة تقتحم حديثه ذاک بكل ما تحمله من غل وبغض للحرب.. كانت تقابله بلغة العقل والمنطق..خشية ان يتأذى قلبه .. تقول له بنبرة حنونة ولكن حاسمة:
إن الحرب كافرة يا حسين.. أنت وصاحبك على باطل.. وكلاكما ونحن تحت ظلها الملعون من الخاسرين..التعصب والتدين الفارغ من اي شيء الا من القبح اعماكم عن رؤية الحق المبين ..استعبدكم وجعلكم تقدمون له اجمل ما فيكم هدايا عن طيب خاطر وتنسون انفسكم ومن تحبون..الى اي مدى تريدون الذهاب في درب اللاوعي..؟لماذا تمعنون بالخطأ وتصمون الاذان عن ذلك الصوت الذي ينطلق من اعماقكم گ شعاع ضوء يخترق العتمة التي تكتنف حياتكم كلما خلوتم بانفسكم ..يصرخ في حضرة الصمم الاحمق قائلا:
انتم تقتتلون  من أجل أرض ليست لكم.. وتنسون أن الله محبة..؟!!
غير أن حسين كان قد أعمته شعارات جماعته.. فظل متمسكا بطرفه المهترئ..وفيا لوهمه..يأبى ان يريم طرفة عين..

مرت الأيام..وأنجبت الفتاة طفلا ملأ البيت دفئا وحبا وحياة..
وفي يوم أسود حالک.. جاءها الخبر الفاجع: حسين البطل بلغ الغاية التي ينشدها..ومات شهيدا..!!!
لكن الحقيقة التي استشفتها الفتاة لاحقا من كلمات العزاء تقول:
لم يمت حسين برصاص أعدائه..بل اغتيل بدم بارد على يد رفاق سلاحه..بعدما اتهموه بالخيانة والعمالة للطرف الآخر!!
بكت الفتاة زوجها بحرقة حتى اوشك نبع الدمع في مقلتيها الرائعتين ان يجف..لكنها لحظة ادراک عادت الى الجادة..دفنت كل ما استطاعت ان تدفن من احزانها.. وسلمت أمرها لرب السماء..!
وبينما كانت تجمع أشتات الحبيب: أثاثه ومتعلقاته الخاصة..سقطت من بين كتبه قصاصة ورق صغيرة..كُتبت بخط يده الرقيق:
ان انا مت..فاسرعي بالسفر إلى الطرف الآخر.. ابحثي عن صديقي سامي..اقرئيه سلامي..و اروي له طرفا من حديثک الذي طالما حدثتني اياه في سالف ايامي…
طوت الفتاة الورقة على قلبها المكلوم.. ثم وبأسرع ما استطاعت..رحلت.

شهور طويلة من التعب والمشقة خاضتها عبر المسافات والحدود المغلقة..تبحث عن شخص يُدعى “عمر” وهي تعلم ان اسمه الحقيقي “سامي”…
وبعد عناء بحث وغوص في اغوار الزمن بعزيمة مفعمة باليقين لا تشوبها شائبة شک من اجل الوصول الى غاية..عثرت على رقم هاتفه الخلوي من صديق قديم كان زميلا لهما في الجامعة سبق وان اخبرها عنه فقيدها.. فبادرت بالاتصال به واتفقا على اللقاء…..
كان اللقاء في منزل سامي البسيط.. حيث يعيش مع أمه العجوز فقط..كونه لم يتزوج قط..بعد ان تمادى في الغي..و نذر حياته للجهاد كما كان يتوهم…
كان شرط سامي الذي قبلت به الفتاة دون نقاش هو :ان يتم اللقاء من وراء حجاب…

احتوى البيت الصغير ثلاثة أجساد: رجل وامرأتان.. لكن السقف شهد مناظرة فكرية وسيكولوجية لم تشهدها اروقة الفلسفة… بعدما عرفته الفتاة بنفسها.. ونقلت إليه رسالة حسين المضرجة بالدم.. انطلقت تتحدث بلسان نقي وصوت شهي عذب..عفوي بلا نهاية..مطلق الصدق..غير متكلف..ولا متصنع..او متنطع متحذلق.. يسحر الالباب ويكشف الحقائق…
خلال نصف ساعة فقط.. استطاعت هذه الفتاة البسيطة بصدقها الناصع.. ولغتها الدافئة..ان تزيح الغطاء المزركش عن قصعة الباطل.. كانت كلماتها كالماء القراح يغسل أدران الكراهية.. ويضع زيف العتمة على مقصلة النور..
في نصف ساعة من الزمن..تحول قلب سامي وقلب امه العجوز من مبغضين مشاحنين..إلى قلبين ينبضان بالحب النبيل لكل بني الإنسان..بل ويتجاوزه الى كل ما يمت الى هذا الكون الشاسع من موجودات.. دون نظر إلى طائفة أو دين او عنصر.. لقد ولدت أرواحهما من جديد….!!
فأحس حينها سامي انه قد زحزح عن النار..ليجد نفسه وقد غادر مكانه الاول المليئ بالزيف..ونهض قائما يسير على ضوء الحقيقة تاركا تلك الزاوية الضيقة التي مكث ينظر منها زمنا طويلا الى الحياة ..ليجلس اخيرا في حضن النور..عند زاوية اكثر اتساعا..تتيح له ان ينظر الى الحياة من خلالها..فيرى وجهها الاجمل المتشح بالنور والكمال….وفي غمرة الاحساس الغريب الممتلئ بالجمال ثلاثي الابعاد..وذلك الشيء الذي سربله بالراحة والسعادة النسبية التي لم يكن قد عرفهما قبل ان يلتقي هذه الفتاة..ادرک يقينا ان كل اشياء الجمال التي احس بها تجرفه گ السيل الزبى..انما مصدرها من الحب..بلى..لقد احببتها..!!
هذا ما قاله سامي بينه وبين نفسه ..واقتنع به..بل و اعتنقه… الواقع يقول: انه لم يرها..اذ حدثته وحدثها آنذاک من وراء حجاب..لكن الحب الذي طالما سخر من المنطق..و مرغ انف الحقائق في التراب..يقول عكس ذلک..هو بالفعل لم ير تفاصيل الجسد الانثوي..لكنه رأى روحها الاجمل..و اغتسل من صيب طهرها ونقائها..وسافر خلال نصف الساعة في تضاريس نبلها..الذي سرقه منه واستملكه..كانت تكلمه وكانها ماثلة امامه..بمنطقها الصادق ذاک تضمه…ليجد حينها نفسه واياها..گائن واحد نبيل جميل سامي التفاصيل..مخلوق استثنائي النبض والاحساس والفكر..في منزلة وسط بين البشر من بني ادم التي تمتد جذور خلقه الى الطين..و بين الملائكة التي ينحدر الاصل في خلقهم الاول الى النور…

مكثت الفتاة عند الأم التي أحبتها كابنتها.. وعاد سامي إلى جبهته لأمر أخير .. لكنه هذه المرة لم يكن ذاهبا ليقاتل كما كان في كل مرة يفعل.. كان كتلة من الجمال والنبل.. موشاة بالحب والجلال.. كان قد اتخذ قراره النهائي: اعتزال الحرب الملعونة.. وتسليم سلاحه البغيض..والعودة إلى بيته ليتزوج هذه المرأة النبيلة ويعيش ما تبق من عمره في رحاب الحب..كما وعدها ووعد أمه…

سامي الذي ولد مرة اخرى من رحم امرأة اخرى في ظلال الحب لم يخطئ ابدا..
كان خطؤه الوحيد في نظر مجتمعه المسلح أنه كان صادقا أكثر من اللازم..حين اعطى القبح ثقته النبيلة كلها..وحكى لرفاقه أنه احب فتاة بكل قواه..وأنه قرر ترك القتال ليصنع حياة جديدة..بعيدة عن لعنة الحرب التي طالما اثقلت كاهله..
وما ان سلم سلاحه وقفل عائدا الى حيث ينتظره حلمه الجميل..حتى وافته اللعنة ذاتها التي وافت من قبل صديقه حسين… وشى به رفاقه إلى القيادة العليا.. واتهموه بالخيانة العظمى والعمل لصالح العدو…
وصل سامي إلى زقاق بيته.. و قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه شوقا إلى الدفء الذي ينتظره… لكن..وقبل ان تمتد يده لتطرق الباب.. توقفت دراجة نارية على بعد أمتار قليلة منه..واذا به يسمع صوتا بدى وكأنه متشقق للغاية من فرط الجفاف..صوت آدمي الملامح تسلل الى اذنه عبر الاثير ليصل الى سمعه فحيح افعى..جاء من خلف نقاب أسود..كان الصوت يتضمن كلمة واحدة:
عمر….
التفت سامي.. وفي لحظة خاطفة..بادر الشاب الملثم باطلاق وابل من الرصاص الغادر..لتخترق الطلقات صدره الرحب..وتفجر القلب الذي صبأ بالحرب لحظة تجلي الادراك واعتنق الحب…
سقط سامي مجندلا على الأرض مضرج بدمائه أمام باب بيته…على بساط من الحب كان قد غزل للتو من صدى صوت امرأتين أحبتاه.. حين انشق سكون الليل على صراخهما الفاجع…ليموت سامي..و تبقى القصة شهادة أبدية على أن:
“نصف ساعة من الحب” أطهر وأبقى من سنوات من دنس السلاح ولعنة الحرب..!!!

عيسى جعفر
اليمن
2/8/2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى