
لبنان على كف عفريت… هل من عقلاء ينقذونه؟!
ميخائيل عوض / لبنان
بين الانحياز والفهم
إن فهم الحاضر هو الشرط الضروري لتوقع المستقبل، وأن هذا الفهم لا يمكن أن يتحقق تحت وطأة الانحيازات العاطفية أو الأيديولوجية.
هو لا ينفي حق الإنسان في الانحياز، بل يعيد تعريفه:
الانحياز حق شخصي (سياسي، ديني، فكري)
لكن التحليل الاستراتيجي يجب أن يكون مجرد عن الرغبوية
بهذا المعنى، المعادلة المعرفية :
من دون تفكيك الذات (الرغبات/المخاوف/الأيديولوجيا) لا يمكن تفكيك الواقع.
وهنا يؤسس لمدرسة تفكير تقوم على:
– القراءة بعقل منفتح من خارج الصندوق
– تعددية الزوايا
– تراكم الرؤى
– بناء “عقل جمعي تفاعلي” قادر على قراءة تركيبية للمشهد المعقد وإنتاج المعرفة جماعيا.
*ثانياً: طبيعة الكيان اللبناني — دولة أم نظام طوائف؟*
في مقاربة تفكيكية حادة لطبيعة الكيان اللبناني، تنطلق من نزع الوهم عن كونه “دولة” بالمعنى الكلاسيكي، ليعيد تعريفه كـ بنية مركّبة أقرب إلى كونفدرالية طوائف مقنّعة، حيث لا تعمل المؤسسات بوصفها إطاراً جامعاً لإنتاج القرار الوطني، بل كواجهات لتوازنات ما قبل الدولة. في هذا النموذج، تُختزل الطائفة بحزب، والحزب بزعيم، والزعيم بسلالة، ما يحوّل السياسة من تنافس برامج إلى إدارة ولاءات موروثة. النتيجة ليست مجرد انقسام سياسي عابر، بل انقسام بنيوي دائم يُعاد إنتاجه مع كل استحقاق، ويجعل من الإجماع الوطني حالة شبه مستحيلة، لأن “الوطن” نفسه ليس مرجعية واحدة بل مجموعة مرجعيات متوازية. ضمن هذه المعادلة، تصبح الدولة ضعيفة بطبيعتها، وقابلة للاختراق الخارجي بشكل مستمر، لأن كل مكوّن داخلي يحتفظ بقنواته وعلاقاته الخاصة خارج الإطار السيادي. ومع ذلك، فإن هذا التوصيف لا يعني غياب الاستقرار بالكامل، بل يفسّر شكله الخاص: استقرار قائم على التعايش في التناقض، لا على الوحدة الفعلية. من هنا نرفض الخطاب الرومانسي عن “الوحدة الوطنية” بوصفه إنكاراً للواقع، ونقترح بديلاً أكثر براغماتية يتمثل في إدارة التناقض لا إلغائه؛ أي تحويل التعددية من مصدر صراع مفتوح إلى توازن مُدار، حيث يُعترف بالاختلاف كمعطى ثابت، وتُبنى آليات الحكم على تنظيمه لا محوه. في هذا الإطار، لا يكون التحدي في توحيد لبنان، بل في منع تناقضاته من التحول إلى تفكك، وهي معادلة دقيقة تفصل بين البقاء ككيان وظيفي، أو الانزلاق إلى انهيار النموذج بالكامل.
*ثالثاً: من “حروب الآخرين” إلى “لعب العفاريت”*
من هنا فإن توصيف موقع لبنان ضمن الصراعات، إذ ينتقل من المفهوم الكلاسيكي الذي اختصر لعقود حالة البلد بعبارة “حروب الآخرين على أرضه”، إلى توصيف أكثر حدّة وتعقيداً هو “لعب العفاريت بلبنان”. هذا التحول ليس زخرفاً لغوياً، بل يعكس تغيّراً عميقاً في طبيعة الفاعلين وأهدافهم. ففي السابق، كان لبنان ساحة تُدار عليها صراعات واضحة بين دول أو محاور، حيث تبقى “قواعد اللعبة” مفهومة نسبياً، ويكون الهدف استخدام الجغرافيا اللبنانية كمنصة ضغط أو مواجهة ضمن توازنات يمكن احتواؤها أو تسويتها. أما اليوم، وفق قراءة عوض، فقد تبدّل المشهد جذرياً: لم تعد المسألة صراعاً بين أطراف خارجية تستخدم لبنان، بل تداخل شبكات من الفاعلين—دول، أجهزة، نخب محلية، وواجهات متعددة—تعمل بشكل متزامن ومتشابك على تفكيك النموذج اللبناني نفسه. أي أن الهدف لم يعد إدارة الصراع داخل لبنان، بل إعادة تعريفه أو حتى إسقاط صيغته التي نشأت منذ مطلع القرن العشرين. في هذا السياق، يفقد لبنان موقع “الدولة” ليصبح موضوعاً لإعادة التشكيل، حيث تتلاشى الحدود بين الداخل والخارج، ويتحول اللاعب المحلي إلى جزء من منظومة اشتباك أوسع، لا يملك السيطرة عليها بالكامل. وهنا تكمن الخطورة: لأن الصراع لم يعد قابلاً للضبط ضمن قواعد تقليدية، بل أصبح أقرب إلى فوضى مُدارة، تُستخدم فيها كل الأدوات—السياسية، الأمنية، الاقتصادية، والإعلامية—ليس لتحقيق انتصار طرف على آخر داخل لبنان فقط، بل لدفعه نحو تحول بنيوي قد يصل إلى انهيار نموذجه التاريخي.
*رابعًا: من هم “العفاريت” الذين يتقاذفون لبنان؟ — تفكيك استراتيجي متعدد الطبقات*
إن تعبير “العفاريت”، لا يقصد به توصيفاً عرضياً ، بل يبني استعارة كثيفة تشير إلى شبكة فاعلين غير متجانسة تتقاطع مصالحها فوق الجغرافيا اللبنانية، وتتعامل مع البلد كأداة ضمن صراع أكبر. هذه “العفاريت” ليست جهة واحدة، بل بنية مركّبة من مستويات أربع تتفاعل معاً، وتُنتج حالة العبث التي وصفها.
أول هذه المستويات هو
*المستوى الدولي:* القوى الكبرى التي تعيد تشكيل النظام العالمي. هنا يصبح لبنان:
– نقطة ضغط
– ورقة تفاوض
– ساحة اختبار
في هذا المستوى، لا يُنظر إلى لبنان كدولة ذات سيادة، بل كـ“موقع” داخل شبكة صراع أوسع. القرارات لا تُصنع في بيروت، بل تُسقط عليها. “العفريت” هنا هو منطق القوة العظمى الذي لا يعترف إلا بموازين القوة، ويستخدم:
– العقوبات
– التمويل
– المؤسسات الدولية
– والضغط السياسي
لإعادة هندسة الداخل اللبناني بما يخدم تموضعه في الصراع العالمي.
*المستوى الثاني هو الإقليمي:*
لبنان هنا ليس فقط ساحة، بل:
– خط تماس
– صندوق بريد
– ومختبر توازنات
كل محور يرى في لبنان:
امتداداً لنفوذه أو خاصرة رخوة لخصمه “العفاريت” في هذا المستوى هي الأنظمة والأجهزة التي تريد تثبيت وجود في لبنان تاريخيا، فتغذي الانقسام، وتمنع الحسم، لأن استمرار لبنان في حالة اللااستقرار يخدم وظيفة استراتيجية: إبقاؤه ساحة مفتوحة لا مركز قوة مستقل.
*المستوى الثالث هو الداخلي البنيوي:*
أي المنظومة اللبنانية نفسها.
وهنا المفارقة التي شددنا عليها
العفريت ليس فقط خارجياً… بل يسكن الداخل. وتمثله اليوم السلطة الحاكمة ليست ضحية
بل شريك وظيفي
هي تعرف:
كيف تحافظ على مواقعها
كيف توزع الولاءات
كيف تستثمر في الانقسام
لكنها في الوقت نفسه:
مرتبطة مالياً بالخارج
مكشوفة سيادياً
ومقيدة بشبكات مصالح عابرة للحدود
بهذا المعنى، “العفريت الداخلي” هو:
نظام سياسي زبائني يعيش على الأزمات ولا يستطيع البقاء من دونها.
المستوى الرابع هو الأخطر: العفريت الإدراكي (الذهني).
وهو ما نسميه “الوهم”.
هذا العفريت لا يُرى، لكنه الأكثر تأثيراً:
– وهم القوة لدى الضعفاء
– وهم الحماية لدى التابعين
– وهم القدرة على التحكم بمسار أكبر من الجميع
حين تعتقد نخب أو قوى داخلية أن:
الخارج سينتصر حتماً
أو أن موازين القوى ثابتة
أو أن بإمكانها القفز فوق التاريخ والجغرافيا
فهي تدخل في سلوك انتحاري يسرّع الانهيار.
وهنا يصل التحليل إلى نقطة دقيقة:
أخطر “العفاريت” ليس من يتآمر… بل من يخطئ التقدير.
لأن التآمر يمكن مواجهته،
أما الوهم فيقود صاحبه إلى قرارات مدمّرة وهو يظن أنه ينقذ نفسه.
“العفاريت” التي تحدثنا ليست كياناً واحداً، بل:
قوة دولية تعيد رسم الخرائط
صراعات إقليمية تستخدم لبنان كساحة
منظومة داخلية تعيش على الانقسام
ووعي مأزوم ينتج قرارات كارثية
وتقاطع هذه المستويات الأربعة هو ما يجعل لبنان:
ليس فقط في خطر… بل في حالة تلاعب متعدد الأيدي.
وفي لحظة كهذه، لا يكون التهديد في وجود “العفاريت” بحد ذاته — فهذا تاريخ لبنان —
بل في:
فقدان القدرة على إدارتها أو تحييدها أو فهم قواعد لعبها.
وهنا يتحول لبنان من لاعب — حتى لو كان ضعيفاً —
إلى مجرد مساحة يُلعب بها.
*خامسًا: الخطر الحقيقي — ليس زوال لبنان بل زوال “نموذجه”*
نضع تمييزاً حاسماً بين بقاء لبنان كجغرافيا تاريخية وبين بقاء “نموذجه” السياسي، معتبراً أن الخطر القائم لا يطال لبنان في حد ذاته بقدر ما يطال الصيغة التي حكمته منذ نشأته الحديثة. فلبنان، بوصفه مساحة وهوية متراكمة عبر التاريخ، ليس مهدداً بالزوال، لكن لبنان الذي نشأ بعد سايكس-بيكو—بتركيبته الطائفية وتوازناته الدقيقة وآليات حكمه القائمة على المحاصصة—يقف اليوم على حافة التفكك. ما ينهار، وفق هذا المنظور، ليس الأرض ولا المجتمع بالمعنى الوجودي، بل النظام الذي نظّم علاقاتهما: نظام الطوائف، معادلات تقاسم السلطة، وآليات إنتاج القرار التي قامت على إدارة التوازن لا على بناء دولة مركزية. خطورة اللحظة تكمن في أنها تتقاطع مع تحول إقليمي ودولي واسع، حيث تدخل المنطقة طور إعادة تشكيل، ويترافق ذلك مع اهتزاز في بنية النظام الدولي نفسه، ما يجعل النماذج الهشة—وفي مقدمتها النموذج اللبناني—أكثر عرضة للانهيار أو لإعادة الصياغة القسرية. في هذا السياق، لا يكون السؤال هل يبقى لبنان، بل أي لبنان سيبقى: هل يستمر كنموذج طائفي معدل، أم يُعاد تركيبه بصيغة جديدة، أم يدخل في حالة تفكك وظيفي تفقده خصائصه التي عرف بها؟ هنا يبرز جوهر تحذيرنا
إن التحدي الحقيقي ليس حماية الحدود، بل حماية أو إعادة تعريف الصيغة، لأن سقوطها يعني الدخول في مرحلة مفتوحة على احتمالات إعادة تشكيل عميقة، قد لا يملك اللبنانيون وحدهم قرارها أو التحكم بمسارها.
*سادسًا: سيناريو التطبيع — بين الاستحالة والمغامرة*
إن طرح “تطبيع” العلاقة مع إسرائيل عبر تعديل القوانين ليس خياراً سياسياً عادياً، بل مغامرة بنيوية عالية الكلفة تصطدم بثلاث طبقات من الاستحالة. استراتيجياً، يأتي الطرح في لحظة حرب مفتوحة وسيولة في ميزان القوى، حيث لم تُحسم النتائج بعد، ما يجعل أي تموضع نهائي بمثابة رهان مبكر على معادلة غير مستقرة؛ وفي مثل هذه اللحظات، تكون القرارات الحاسمة أقرب إلى المقامرة منها إلى السياسة الرشيدة. سياسياً، فالبرلمان، كمرآة لتوازنات الطوائف والقوى، عاجز عن تمرير خطوة بهذا الحجم من دون تفجير التوازن الداخلي، لأن التشريع هنا لا يمسّ بنداً إجرائياً، بل يطال واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي الجمعي اللبناني، بما يحمله من انقسامات تاريخية وهوياتية. أما وجودياً، فالمسألة أخطر: تشريع التطبيع يعني كسر أحد أعمدة الشرعية التي يقوم عليها النظام، وفتح صدام مباشر بين الدولة ومكوّنات اجتماعية وازنة ترى في ذلك انقلاباً على تعريفها للذات ودورها. عند هذه النقطة، لا يعود الأمر خلافاً سياسياً قابلاً للإدارة، بل يتحول إلى تفجير من الداخل يهدد بتفكك العقد غير المكتوب الذي أبقى النظام قائماً رغم تناقضاته. لذلك نختصر المعادلة بحدة: من يسعى لفرض هذا المسار لا يغيّر سياسة، بل يطلق النار على بنية النظام نفسها، لأن الكلفة لن تُدفع في الخارج، بل داخل تماسك الكيان وقدرته على الاستمرار.
*سابعًا: فرضية الحرب الأهلية — تفكيك الخطاب التخويفي*
فخطاب التخويف من الحرب الأهلية عبر إعادة وضعه في ميزان الواقعية، نرفض اعتباره سيناريو مرجحاً في الظرف الراهن، ليس بدافع الطمأنة بل استناداً إلى معطيات بنيوية. أول هذه المعطيات هو غياب الحافز الجماعي؛ إذ لا توجد كتلة اجتماعية كبرى تمتلك اليوم الدافع الوجودي أو الأيديولوجي للانخراط في حرب داخلية شاملة، بخلاف ما كان عليه الحال في مراحل سابقة. ثانيها هو انعدام القدرة العسكرية الداخلية المتكافئة، حيث لم تعد البنية اللبنانية تنتج قوى متوازنة قادرة على خوض حرب أهلية طويلة، بل هناك اختلال واضح في الإمكانات يجعل فكرة الحرب غير قابلة للاستدامة. يضاف إلى ذلك اختلال ميزان القوى الإقليمي الذي ينعكس مباشرة على الداخل، بحيث أن أي صراع داخلي سيتحوّل سريعاً إلى امتداد لصراعات أكبر، لا إلى حرب لبنانية صرفة. أما العامل الأكثر عمقاً فهو الذاكرة الجماعية للحرب السابقة، التي ما تزال حاضرة كمانع نفسي واجتماعي لدى مختلف المكونات، بعدما خبرت كلفة الانهيار الشامل.
ضمن هذا الإطار، فإننا نقر بإمكانية حدوث خروقات فردية أو حالات خيانة أو توترات أمنية موضعية، لكنه يميز بوضوح بين الفعل الفردي والخيار الجماعي؛ فالأول ممكن في كل زمان، أما الثاني فيتطلب شروطاً غير متوفرة. بذلك، يتحول خطاب “الحرب الأهلية” من تقدير واقعي إلى أداة ضغط وتهويل تُستخدم لتوجيه السلوك السياسي أو تبرير خيارات معينة، في حين أن الوقائع تشير إلى أن لبنان، رغم هشاشته، لا يقف اليوم على حافة حرب داخلية شاملة بقدر ما يقف على حافة انهيار من نوع مختلف: انهيار الصيغة لا انفجار المجتمع.
*ثامناً: الجيش اللبناني — حدود الدور والاستحالة الوظيفية*
مسألة الجيش في قلب النقاش حول الاستقرار الداخلي، عبر طرح سؤال حاسم: هل يمكن توريط المؤسسة العسكرية في صراع داخلي؟ إجابته تأتي بالنفي، لا بوصفه موقفاً سياسياً، بل قراءة واقعية لطبيعة الجيش ووظيفته وحدود قدرته. فالجيش اللبناني، كما نراه، ليس مصمماً لخوض حروب داخلية طويلة، لا من حيث الإمكانات ولا من حيث البنية العقائدية. ضعف التجهيز والموارد يفرض عليه أصلاً أولويات دفاعية محدودة، فيما غياب الحافز العقائدي للصدام مع مكوّنات مجتمعية واسعة يجعله يفتقر إلى الدافع الذي يسمح له بالانخراط في مواجهة داخلية مفتوحة. يضاف إلى ذلك إدراك عميق داخل المؤسسة عن خطورة المواجهة مع الداخل ، وهو إدراك يولّد مقاربة حذرة تقوم على تجنب الاستنزاف في معارك غير ذات جدوى استراتيجية. في هذا السياق، لا يمكن افتراض أن ضباطاً وجنوداً سيقبلون بالذهاب إلى مواجهة داخلية مكلفة، لا تحمل هدفاً وطنياً جامعاً ولا تندرج ضمن عقيدتهم الدفاعية. بناءً على ذلك، إن الحديث عن “توريط الجيش” في صراع داخلي ليس خطة قابلة للتنفيذ، بل أداة ضغط سياسي وإعلامي تُستخدم للتهويل أو لتعديل موازين التفاوض بين القوى، أكثر مما تعكس إمكانية واقعية على الأرض. فالمؤسسة العسكرية، في نهاية المطاف، تبقى محكومة بدورها كعامل توازن وحفظ حد أدنى من الاستقرار، لا كأداة تفجير داخلي.
*تاسعاً: سيناريوهات الخلاص في لبنان*
إذا كان التوصيف يضع لبنان في قلب “تلاعب العفاريت”، فإن سؤال الخلاص لا يُطرح كحل مثالي أو قفزة نوعية، بل كـ إدارة أزمة وجودية ضمن بيئة شديدة التعقيد.
بمعنى أدق: لا يوجد “حل واحد”، بل مسارات احتمالية، لكل منها شروطه وكلفته ومآلاته.
*1- سيناريو “الاحتواء الذكي” — النجاة عبر إدارة التوازن*
هذا هو السيناريو الأقرب إلى طرحنا ويقوم على فرضية: “أنه ربما لا يمكن للبنان أن ينتصر… لكنه بالتأكيد يستطيع ألا يخسر.”
مرتكزاته خفض التوتر الداخلي إلى الحد الأدنى وتجميد الصراعات السياسية الكبرى
ومنع أي قرارات استفزازية (مثل التطبيع أو الصدام الداخلي) والحفاظ على “الحد الأدنى من الدولة”
أما أدواته:
– تبريد الخطاب السياسي والإعلامي
– إعادة فتح قنوات التواصل بين الخصوم
– تحييد المؤسسات (الجيش، القضاء) عن الصراع
نتائجه المتوقعة: منع الانهيار الكامل وشراء الوقت بانتظار اتضاح المشهد الإقليمي والدولي
مخاطره: استمرار التدهور البطيء وتكريس الأزمة بدل حلها.
لكن ، هذا السيناريو ليس ضعفاً بل : “استراتيجية عقلانية في زمن الفوضى الكبرى”
*2- سيناريو “إعادة تجميع عناصر القوة” — التحول من الهشاشة إلى الفاعلية*
هذا السيناريو أكثر طموحاً، ويستند إلى فكرة محورية عند عوض: ” لبنان يمتلك عناصر قوة… لكنه لا يستخدمها.”
هذه العناصر وفق عوض هي
– الموقع الجيوسياسي
– التعددية (إذا أُديرت لا إذا تُركت)
– الكتلة الاجتماعية المقاومة
– الإمكانات البشرية والاغترابية
شروط تحقيق هذا السيناريو تقوم على تفاهم داخلي على الحد الأدنى من الأولويات
ووقف الاشتباك بين الدولة وقوى القوة الفعلية، وبناء شراكة بين “الدولة” و”الواقع” بدل الصدام بينهما.
بنتيجة هذا السيناريو يتحول لبنان من ساحة إلى فاعل إقليمي جزئي
ويصبح جزءاً من إعادة تشكيل المنطقة لا ضحية لها.
العائق الأكبر الذي يعطل تفعيله هو النخبة الحالية غير مؤهلة لهذا التحول لأنها تستفيد من الضعف لا من القوة.
*3- سيناريو “الانفجار المنضبط” — إعادة إنتاج النظام عبر الصدمة*
هذا السيناريو يقوم على فكرة أن: “النظام الحالي غير قابل للإصلاح التدريجي”
وبالتالي لا بد من صدمة (سياسية/اقتصادية/اجتماعية)
تؤدي إلى إعادة تركيب النظام.
أشكال هذه الصدمة:
– انهيار مالي كامل
– ضغط خارجي حاسم
– انتفاضة داخلية واسعة
والنتائج المحتملة:
– سقوط المنظومة الحالية
– ظهور طبقة سياسية جديدة
– إعادة صياغة العقد الاجتماعي
أما المخاطر التي نراها وفق هذا السيناريو هي الانزلاق إلى فوضى غير مضبوطة و
تفكك مؤسسات الدولة بالكامل
وهنا يتقاطع هذا السيناريو مع تحذير عوض: “الصدمة قد تبني… لكنها قد تُنهي أيضاً.”
*4- سيناريو “الارتهان الكامل” — النجاة الشكلية مقابل فقدان السيادة*
هذا هو السيناريو الذي نحذر منه بشدة.
والذي يقوم على:
الاستجابة الكاملة للضغوط الخارجية وتقديم تنازلات استراتيجية (سياسية/سيادية)
مبرراته لدى البعض لتجنب العقوبات أو الحصول على دعم اقتصادي أو وهم استعادة الاستقرار. في حين أن حقيقته الاستراتيجية هي تحويل لبنان إلى وظيفة ضمن مشروع خارجي وفقدان القرار الوطني
وتسريع تفجير داخلي مؤجل.
وبالنتيجة استقرار هش لكنه يحمل بذور انفجار أكبر لاحقاً.
*5- سيناريو “الانهيار الكبير” — سقوط النموذج*
هذا ليس سيناريو خلاص، بل: النتيجة الطبيعية إذا فشلت كل الخيارات الأخرى.
ملامحه :
– تفكك مؤسسات الدولة
– خيار العملة والاقتصاد بالكامل
– صعود سلطات أمر واقع
– انقسام جغرافي/وظيفي
لكن حتى في هذا السيناريو، إن لبنان كجغرافيا لن يزول لكن “لبنان النموذج” قد ينتهي.
*6- السيناريو المرجّح — “الانتظار الفعّال”*
من خلال تفكيك الطرح، إننا لا ندعو إلى:
ثورة ولا استسلام ولا مغامرة
بل إلى ما يمكن تسميته:
“الانتظار الفعّال”
وهو عدم الانخراط في مشاريع كبرى الآن وعدم اتخاذ قرارات مصيرية في لحظة سيولة
بل مراقبة التحولات الدولية والإقليمية والحفاظ على عناصر القوة الداخلية كاملة بانتظار مآلات الظرف القلق.
جوهر هذا السيناريو هو إدارة الوقت كأداة استراتيجية
وذلك وفق منطق أن الحرب لم تُحسم والنظام الدولي في طور التشكل وموازين القوى غير مستقرة.
وبالتالي أخطر قرار هو القرار المبكر.
إذن سيناريوهات الخلاص تدور حول كيف ينجو لبنان في لحظة إعادة تشكيل العالم.
ويمكن اختزالها في ثلاث معادلات:
1. النجاة لا تحتاج قوة مطلقة بل حسن تموضع
2. الخطر ليس في الخارج فقط بل في قرارات الداخل
3. الزمن عامل حاسم من يصمد… يربح موقعاً في العالم الجديد
لبنان، وفق هذا التصور، ليس أمام خيار واحد، بل أمام مفترق طرق تاريخي إما أن يدير ضعفه بذكاء أو يحوّل ضعفه إلى انتحار سياسي.
وبين هذين الخيارين،
: ” ميزان العقل… أو كف العفريت.”
🖊 ميخائيل عوض