رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الهروب الى الضجيج

يهرب العربي في اوقات السلم من التأمل لأنه في حالة طوارئ دائمة وتستوجب رداً فورياً في الكلام وفي الفعل ولا يحبذ التريث في الاحكام لأنه في وضعية تشبه الشخص المداهم أو حالة الطريدة. التأمل والتفكير البعيد يحتاج الى أمان وعقل هادئ.
لكنه يجد فرصة هروب جماعية في اوقات الحرب لكي يعطي هروبه عنوانا ومعنى لان التأمل يضعه في مواجهة أسئلة عن المصير والعدالة والمستقبل، في حين في أوقات الحروب يصبح الانشغال بالحرب فرصة للهروب من هذه الاسئلة مع انه عاجز عن الفعل في اوقات السلم كما في اوقات الحرب.
الحرب تمنح هوية لضجيجه الداخلي وتوهمه انه مشغول بقضية كبيرة وانه ضمن جماعة كبيرة ويواجه تحديات لذلك هي فرصة لتذويب هزائمه الصغيرة وانكساراته وفقدانه السيطرة على مصيرة والانخراط مع الحشد كمحلل من داخل غرفة آمنة أو مقهى وواضع استراتيجيات عن نتائح الحرب مع انه عاجز عن وضع خطة لبرنامج منزلي لاسبوع.
في ضجيج الحرب تختفي الهواجس والمخاوف الذاتية والأسئلة والضوضاء العامة تغطي على سؤال الحرية والمصير والأمل .
يصبح الضياع في الجموع بطولة ومشاركة وتضامناً وتصبح الاسئلة الوجودية المتعلقة به كفرد وكشعب ووطن لا مكان لها في هذا الازدحام من الاخبار والاخبار المضادة مع انه في حرب صامتة في الداخل والخارج ومحاصر بالقواعد العسكرية وشركات النهب الكبرى ومكاتب مخابرات في كل المدن بعناوين مزيفة ونظم فاسدة مرتهنة.
تلوح الحرب الحالية اليوم كأنها الحرب الوحيدة في المنطقة مع اننا في حروب النهب والاستغلال والهيمنة الصامتة في السياسة والاقتصاد وصناعة المستقبل. دول سقطت بالغزو او حجة الحماية أو مكافحة الارهاب.
انها فرصة لكي نضع كل واقعنا المزري على عدو والهروب من تاريخ الحاضر. من يهرب من رؤية نفسه في مرآته الداخلية ومن حقيقته يهرب الى مرآة العدو التي تختزل له الحياة بعناوين كبيرة وتجاهل الاسباب الجوهرية التي وضعته في دور المتفرج بل الاداة سواء في سلوك اللامبالاة في السلم أو الضياع في الضجيج في الحرب لان تاريخه المليء بالاضطرابات والكوارث المتوالية جعلته في حالة تأهب دائم وردود فعل فورية ولم يطور خاصية التفكير الاستراتيجي.
حتى المثقف والكاتب العربي انخرط مع الجمهور في الحرب الدائرة الآن بين ايران وامريكا واسرائيل وفضلت شرائح كبيرة منه الصمت أو تحميل إيران السبب ـــــــــــــ وتتعدد الاسباب ـــــــــــ لكن في حرب العراق وايران في الثمانينات انحاز المثقفون والكتاب العرب الى العراق ” كحارس للبوابة الشرقية” دون عناء البحث في الأسباب الجوهرية للحرب وهي الأسباب نفسها اليوم في الحرب الاسرائيلية الامريكية الايرانية في تدمير ظهور أية قوة اقليمية في المنطقة تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل ونجحوا في تدمير” قدرات البلدين” كما اعترف صدام حسين نفسه الذي كان أداة منفذة لتلك الحرب التي قادتنا الى مصير اليوم وبعد اليوم.
في حرب الثماني سنوات او الخليج الاولى كان الموقف مغلفاً بالوضوح الايديولوجي القومي لكنه اليوم” مغلف” بالخطر الايراني والرهاب الطائفي كما لو لا خطر غيره. صمت المثقف هنا ليس غياباً للرأي بل هو إنحياز صامت للولايات المتحدة واسرائيل.
منذ سقوط الايديولوجيات الكبرى وشعاراتها الفضفاضة اليسارية والقومية في تسعينات القرن الماضي ونهاية دور المثقف التبشيري الداعية الدوغمائي حامل مفاتيح الماضي والحاضر والمستقبل والديك اليقظ الوحيد في مملكة النائمين، وانتهاء دوره كلغة ومشروع لافلاس المشروع، تغيرت وظيفة المثقف من “مبشر” الى” مراقب” أو ” محلل” في قنوات من كان يطلق عليهم في القرن الماضي بــــــــ” القوى الرجعية” بعد ان تغير القاموس واختفت كلمة” الامبريالية” من القاموس العربي لكنها ظهرت بوضوح أكبر في الفكر الانساني الغربي الحر كــــ” إمبريالية جديدة” تستعمل صندوق النقد الدولي والحصار الاقتصادي والخصخصة وحروب الوكالة والخ .
تحول المثقف التبشيري من محارب بالكلمات في حرب الخليج الاولى الى ” صامت أو مراقب” في الظاهر في حرب اليوم.
تساوى المثقف والكاتب مع الانسان البسيط في الوقوع في حفرة الضياع وهذه ” المساواة” تعكس حقيقة تغيب في الضجيج ان هذا الصنف من المثقفين “التبشيريين” أو ” الدعاة” لا يملكون ما يقولونه بسبب سياسات التلقين لعشرات السنوات والكتابة في ضوء تعليمات وتوجيهات الحزب في الأزمات لكن الصورة تغيرت الآن.
هذا” المثقف اليتيم” يعيش في حالة يتم بلا مشاريع ولا سرديات كبرى تفسر كل شيء ولا نظريات ولا مشاريع نهضة بل مشاريع سقوط، وجد نفسه في قارب مثقوب مع الجمهور والقاسم المشترك بينهم هو البحث عن شاطئ أو منقذ أو قوارب نجاة من هذا الغرق والعودة الى ضجيج الحرب كحل للهروب من الاسئلة الحقيقية الكبرى.
انها دعوة للتضامن والمشاركة الواعية لكنها في الوقت نفسه تذكير اننا في حروب مستمرة وعلى جبهات مختلفة وكثير منها غير مرئي وواضح في السياسة والاقتصاد وتغيير الطقس والادوية المنتهية الصلاحية والملابس المجرثمة والهواء والماء والمزارع الملوثة والاخطر في تحويل الاجيال الجديدة الى قطعان من الحشاشين واللصوص خارج التعليم في ابادة ثقافية وعلمية ومعرفية صامتة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى