فيس وتويتر

محمد عبد اللاه يكتب :مصر هي السبب

أين تقع مصر من الحال الذي صار عليه العالم العربي بصفة خاصة، والشرق الأوسط بصفة عامة؟
رأيت أن من واجبي أن أجيب عن هذا السؤال في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بقوة الحديد والنار لتحققا الهيمنة الكاملة على إقليم يمتد من الصحراء الكبرى في أفريقيا إلى أفغانستان وباكستان في آسيا، ومن المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا.
بالطبع أعني “الشرق الأوسط” الذي تقع مصر في قلبه، والتي يتقرر مصيرها مع تقرير مصيره.
ابتداء أقول إنه إذا انكسرت الولايات المتحدة وإسرائيل على أبواب إيران فهذا أمر له ما بعده.
ستكون هناك تغيرات إقليمية ودولية بالغة العمق والأثر.
وإذا انكسرت إيران أمام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، الذي تؤازره سرا وعلنا قوى الاستعمار القديم في أوروبا وجحافل الرجعية العربية، فهذا أمر آخر مختلف تماما.
سيكون من نتائجه، فيما أظن، إقصاء جميع أنظمة الحكم الحالية تحت لافتة تشكيل نظم سياسية ديمقراطية، وهو نفسه الشعار الكاذب الذي رفعته الولايات المتحدة تبريرا لغزو العراق سنة 2003.
بعد هذا التمهيد أطرح فكرتي في النقاط التالية:
أولا ـ في يناير سنة 1989 كنت في زيارة للبنان للكتابة عن الحرب الأهلية لـ “الأهرام”. وفي نفس الوقت كان هناك صراع مسلح عنيف على المكانة والمكان في إقليم التفاح بجنوب لبنان بين حركة أمل الشيعية وجماعة حزب الله.
طلبت مقابلة السيد/ عباس موسوي أحد أبرز مؤسسى الجماعة التي تشكلت قبل اللقاء بـ 7 سنوات.
شغل موسوي منصب الأمين العام لحزب الله بعد اجتماعنا بسنتين، واغتالته إسرائيل بهجوم جوي بعد سنة من تزعمه الجماعة.
على باب شقته في بيروت، وجدت أحذية فخلعت حذائي قبل الدخول.
كان من بين ما سألت عنه السيد/ عباس موسوي الذي كان هادئا وواثقا خلال اللقاء: لماذا ألقيتم بأنفسكم في أحضان إيران؟
وجاءت الإجابة واضحة وغير مترددة بما جعلني أتصور أنه استعد قبل حضوري لتلقي هذا السؤال:
ـ يا أخ محمد الشيعة في لبنان مع الحالة الثورية في العالم العربي. كنا مع الرئيس جمال عبد الناصر قلبا وقالبا، ولم يكن بيت شيعي في لبنان يخلو من صورة أو صورتين لجمال عبد الناصر. مصر لم تعد ثورية. الثورة الآن هناك في إيران فصرنا معها.
انتهت إجابة السيد/ عباس موسوي وحسبتها منطقية عندما سمعتها، وما زلت أراها منطقية.
ولو لم يكن حزب الله فعل ما فعل ما كانت له هذه الصورة العالمية، وما كان له هذا الأثر في الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ثانيا ـ خلال رئاستي لمكتب الأهرام في السعودية (مقره جدة) سنة 2000 جمعني لقاء غير رسمي مع 3 أمراء شبان، سألتهم:
ـ ألا ترون أن الوجود العسكري الأمريكي الكبير في المملكة يمكن أن تكون له عواقب سلبية في المدى المنظور أو المتوسط أو حتى البعيد؟
أجاب أحدهم واثقا:
ـ مصر هي السبب.
ـ ازاي؟
ـ السعودية كانت دايما بتحس بأن مصر سندها الحاضر حتى في أوقات الخلاف مع الرئيس جمال عبد الناصر. بعد عبد الناصر وارتماء مصر في أحضان أمريكا أقولها صراحة صارت السعودية وكل دول الخليج ضعيفة لحد أنها ما تقدر تمانع.
وأضاف الأمير:
ـ طبعا صدام زاد الطين بلة. ولو كان عبد الناصر موجودا ما كان صدام اتجرأ على الكويت.
انتهت إجابة الأمير ولا يمكن أن أختلف معه في شيء. بل يمكن أن أقول إن الرئيس العراقي صدام حسين لم يكن ليحارب إيران بعد قيام ثورتها لو كان عبد الناصر موجودا.
ثالثا ـ قرأت، وأثق بما قرأته، أن المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي الذي قتلته أمريكا وإسرائيل في أولى لحظات العدوان الحالي كان مسجونا سياسيا وقت وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وأنه بكى بكاء مرا لما صاح ضابط في الممر الذي تطل عليه عنابر السجناء قائلا: عبد الناصر هلك.
هنا أيضا الحالة الثورية هي التي تحرك المشاعر وتفسر الأفعال.
كان خامنئي شابا مقاوما للقمع الذي أنزله شاه إيران بمعارضيه. كان الشاه متحالفا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكان هذا سببا في موقف الثورة الإسلامية المبكر المناوئ للدولتين.
رابعا ـ في ضوء ما تقدم أقول إن الناس في الشرق الأوسط لم يكونوا يستمعون بشوق إلى خطب الرئيس جمال عبد الناصر لأن “صوته حلو” مثلا، بل لأنه يعبر عن التصدي القوي بالقول والفعل للاستعمار الغربي في المنطقة.
خامسا ـ الحقيقة التي لا مهرب منها أن المنطقة تحتاج إلى قلب نابض تتصرف بعقل وثقة عندما تشعر بأنه يضخ الدم في عروقها.
الرئيس الراحل أنور السادات مزق شرايين هذا القلب فصارت المنطقة فراغا يُغري قوى أخرى بملئه، وأراها قوة من ثلاث:
1 ـ الولايات المتحدة وإسرائيل.
2 ـ إيران.
3 ـ تركيا.
وأعتقد أنني لست في حاجة إلى إيراد تفاصيل لأننا نعيش الوقائع ونعايشها.
سادسا ـ مصر التي تركت موقع القيادة صارت أحد الأهداف، وصار الناس يقولون إنها “الجائزة الكبرى” التي يسعى الأمريكيون والإسرائيليون لاقتناصها بعد أن يفرغوا من إيران وتركيا.
يقول البعض إن مصر حاليا قوية وقادرة على رد أي عدوان. وأسألهم: هل هي أقوى من إيران؟ هل هي أقوى من تركيا؟
أتمنى أن تكون كذلك إذا جاء عليها الدور بعد إيران وتركيا لا قدر الله.
(الصورة للسادات مع شاه إيران الذي برر مصريون استضافته بعد خلعه بتزويده مصر بالبترول خلال حرب اكتوبر 1973. لم يزود الشاه مصر بقطرة بترول واحدة خلال الحرب بينما أمد إسرائيل بكل احتياجاتها منه)
(الرجاء تجنب التعليقات المتجاوزة مع الامتثال لمعايير فيسبوك التي تحظر خطاب الكراهية والتحريض على العنف)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى