
في مصر تُختلط السياسة بالإعلام والرأي العام، كثيرًا ما يظن البعض أن كتابة تحليل أو صياغة موقف تعني امتلاك اليقين المطلق.
أرى كثيرًا من الكتاب والصحفيين والإعلاميين وكل صاحب رأي منخرطين فيما يجري في الإقليم، وكل واحد له مطلق الحرية أن يكتب ويقول ما يريد، لكن الثقة المطلقة في طرحٍ معين، وكأنه يقين لا يقبل الشك، تثير الدهشة أحيانًا.
أضحك مع نفسي، لكني أشفق على هؤلاء، وعلى المتلقين من هذا العبث الذي قد يضلل أكثر مما يوضح،لذلك كان من المهم عليّ أن ألفت النظر هنا إلى هذا الخلط بين التقدير واليقين، لأنه يحدد الطريقة التي يُفهم بها كل ما سيأتي لاحقًا من تحليل.
صحيح أن قرار المواجهة مع إيران بقيادة دونالد ترامب—يبدو لحظة سياسية محددة، لكن اختزاله في قرار آني يُغفل حقيقة أعمق: هذه ليست حرب سنوات، بل نتاج عقود من الإعداد داخل الولايات المتحدة على مستوى العقيدة، والتسليح، وتطوير أدوات مصممة لسيناريوهات معقدة.
وفي المقابل، لم تكن إيران طرفًا سلبيًا، بل بنت استراتيجيتها على افتراض هذا النوع من المواجهة: ترسانة صاروخية، بنية لحروب غير متناظرة، وقدرة على توزيع الصراع بدل تركيزه.
ما تكشفه الحروب الحديثة دائمًا هو أن الإعداد الطويل لا يُترجم بالضرورة إلى نتائج حاسمة وسريعة. فبين ما يُخطط له وما يحدث فعليًا مساحة من التعقيد لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.
بعض الفرضيات الأمريكية المبكرة مثل القدرة على تحييد منصات الإطلاق سريعًا أو الضغط على الداخل الإيراني—لم تتحقق بالشكل المتوقع حتى الآن، لكن الأهم هو فهم ذلك كاختبار لفرضيات، لا كسقوط نهائي لها، لأن هذا النوع من الحروب لا يُحسم في أيامه الأولى، بل يُعاد تشكيله تدريجيًا.
في المقابل، لا يعكس الأداء الإيراني تفوقًا حاسمًا بقدر ما يعكس استراتيجية أكثر مرونة تقوم على رفع كلفة الحرب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، من خلال توسيع مسرح الضغط، واستخدام أدوات غير تقليدية، ومحاولة نقل مركز النقاش من بقاء النظام إلى ملفات أوسع مثل أمن الطاقة وممرات الملاحة. وهنا تتجاوز الحرب حدود الميدان لتصبح حدثًا جيوسياسيًا يعيد ترتيب علاقات لم تكن متوقعة.
من تداعيات هذا المشهد، تقارب بعض دول الخليج مع أوكرانيا، ليس كتحالف سياسي، بل كبحث عن خبرة ميدانية مباشرة في مواجهة حروب المسيّرات—بما فيها تقنيات مرتبطة بإيران. كما أعادت أوروبا حساباتها في ما يتعلق بتشابك هذه الحرب مع الحرب في أوكرانيا، وتأثير ذلك على اقتصادها وأمنها الطاقوي، بينما تراقب الصين عن كثب استنزاف الموارد العسكرية الغربية في صراع طويل ومفتوح.
ورغم التصعيد، يعمل كل طرف ضمن قيود واضحة لا تُذكر في البيانات الرسمية. فـ الولايات المتحدة تواجه محدودية في الشرعية الداخلية وكلفة سياسية واقتصادية مرتفعة، ما يقيّد قدرتها على التوسع. إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تزال تحت ضغط جبهة داخلية لم تنجح في عزل نفسها عن آثار الحرب. إيران، بدورها، تعمل ضمن سقف واضح، حيث لا تملك رفاهية الانزلاق إلى حرب شاملة، وتعتمد على إدارة الصراع لا حسمه.
نحن لسنا أمام انتصار سريع، ولا أمام هزيمة واضحة لأي طرف، بل أمام نظام صراع مفتوح، كل طرف فيه قادر على الإيلام وغير قادر على فرض نهاية منفردة. وهنا تكمن الخلاصة الأعمق: الحروب لا تختبر فقط قوة الجيوش، بل تختبر دقة التصورات التي بُنيت قبلها. وحتى الآن، يبدو أن الواقع لا ينفّذ ما خُطط له، بل يعيد صياغته لدى الجميع.