رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :بين إدارة الحروب ومنطق البجعة السوداء: قراءة في هشاشة ما نعتقد أننا نفهمه

ما يجري في الإقليم لا يختبر فقط توازنات القوة، بل يختبر
بعمق أكبر قدرتنا نحن على الفهم.
ليس لأن الوقائع غامضة، بل لأن عقولنا تميل إلى ترتيب العالم في صورة منطقية أكثر مما هو عليه فعلًا.
في كتابات سابقة، حاولت تفكيك المنطق السائد حول «الحرب المفتوحة»: جادلت بأن ما نشهده ليس حربًا تتجه إلى ذروة، بل صراعًا يستقر في حالة لا حسم.
حرب طويلة، منخفضة الحدة نسبيًا، عالية الكلفة، تُدار أكثر مما تُخاض. مع إعلان// الحصار البحري الأميركي//للموانيئ الإيرانية، بدا الأمر وكأنه تأكيد لهذه القاعدة: تصعيد محسوب، ضربات محدودة، ردود متقنة، وقنوات خلفية مفتوحة لمنع الانفجار الكبير.
لكن هذا الفهم—مهما كان أنيقًا—يحمل في جعبته وهمًا خطيرًا: وهم أن النظام مفهوم، وأن التوازنات قابلة للقراءة، وأن الكلفة وحدها هي ما تمنع الحماقة.
هنا يأتي منطق «البجعة السوداء» كناقد صامت لكل ثقة تحليلية مفرطة.
أنا لا أتعامل مع الحدث بوصفه خبرًا، بل كنتيجة؛ ما أبحث عنه هو البنية التي أنتجته، لا صورته التي نراها. هذه المنهجية ضرورية، لكنها لا تعني امتلاك القدرة على التنبؤ—بل فقط تحسين القدرة على الفهم. وهنا يبدأ التوتر الحقيقي بين التحليل والمفاجأة.
فحين نقرأ المشهد من زاوية البنية (الكلفة، الزمن، الردع، توازنات المصالح) نصبح قادرين على التقاط الاتجاه العام: لماذا لا تنفجر الحروب بسهولة، ولماذا تستمر دون حسم، ولماذا يقترب الجميع من الحافة دون أن يقفزوا. هذا النوع من القراءة يمنحنا شعورًا بالسيطرة، ويجعل كثيرًا من توقعاتنا تبدو وكأنها تتحقق.
لكن هذا الشعور تحديدًا هو ما يحذر منه البجعة السوداء: المشكلة ليست في الجهل، بل في الثقة الزائدة في الفهم.
الخطر لا يكمن في أن نُخطئ التوقع، بل في أن نُصدّق أن دقة بعض توقعاتنا تعني أننا فهمنا النظام بالكامل. والواقع لا يعمل كمنظومة مغلقة، بل كشبكة معقدة من الاحتمالات، يكفي فيها خلل صغير ليعيد تشكيل الصورة بالكامل.
في الإقليم، قد تسير الأمور وفق كل ما نتوقعه: ردع متبادل، تصعيد محسوب، إدارة دقيقة للكلفة. ثم يحدث ما لم يكن في الحسبان/قرار متهور،/ خطأ تقدير، حادثة محدودة تتحول إلى تصعيد واسع. وهنا لا ينهار التوازن لأنه كان ضعيفًا، بل لأنه كان هشًا أكثر مما بدا. هذا هو جوهر البجعة السوداء: ليس غياب المنطق، بل محدوديته.
التحليل الجيد لا يفشل لأنه خاطئ، بل لأنه يعمل داخل حدود ما يمكن تصوره. نحن نقرأ ما نعرف، ونبني عليه، ونتجاهل—دون قصد—ما لا يمكن قياسه. وكلما كان التحليل أكثر تماسكًا، بدا العالم أكثر قابلية للفهم… حتى تأتي لحظة تثبت العكس.
ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط ليس «بجعة سوداء» بحد ذاته، بل بيئة مكتملة الشروط لإنتاجها: توازنات هشة، أطراف متعددة، قرارات عالية المخاطر، وتشابك عميق بين العسكري والاقتصادي. أي أننا أمام نظام يبدو مستقرًا ظاهريًا، لكنه قابل للانكسار في أي لحظة.
المنطق هنا ليس التخلي عن التحليل، بل إعادة تعريف قيمته.
قيمة التحليل لا تكمن في أن يصيب التوقع، بل في أن يدرك حدوده. ولا في فهم ما يحدث فقط، بل في الاعتراف بأن هناك دائمًا ما قد يحدث خارج هذا الفهم. أنا لا أتعامل مع الحدث كخبر، بل كنتيجة… لكنني أتعامل مع تحليلي نفسه كاحتمال، لا كيقين.
في هذا النوع من الحروب المُدارة بالحصار والمهددة ببجعات سوداء، لا يُقاس النصر بقدرة أحدهم على فرض إرادته، بل بقدرته على البقاء بعد المفاجأة. ولا تُكتب النهايات في بيانات عسكرية، بل في لحظات انكسار لم يكن أحد ليتوقعها—رغم أن كل المؤشرات كانت تشير إلى أن شيئًا ما يمكن أن ينفجر.
أما البقية—ضجيج الانتصارات والهزائم السريعة، ووهم أننا نفهم كل شيء—فهو في الغالب مجرد صدى لحاجة نفسية، لا قراءة واقعية لمسار يتشكل بهدوء… وعلى مدى أطول مما يريده الجميع، وبقدرة مفاجئة على أن تنقلب في ثانية واحدة.
لأن أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما نراه، ولا حتى ما نتوقعه، بل ما لم نفكر فيه أصلًا… حتى يحدث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى