رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :بيان وزارة التعليم… عندما تصبح الحجة هي المتهم

يبدو أن وزارة التربية والتعليم قررت هذا العام ألا تكتفي بإدارة امتحانات الثانوية العامة، بل أن تضيف إلى علم المنطق نظرية جديدة لكن المؤسف أنها لم تنجح في اجتياز الامتحان الذي وضعته بنفسها….
خرج البيان الرسمي ليرد على الجدل الدائر حول نتائج إحدى المدارس، فإذا به يقدم حجة أقرب إلى أن تقول: “المتهم رجل محترم… إذن لم يرتكب الجريمة.”

وهنا تبدأ المشكلة.
فالناس لم تسأل عن أخلاق الطلاب، ولا عن تاريخهم الدراسي، ولا عن تفوقهم في الإعدادية السؤال كان أبسط من ذلك بكثير: كيف تفسر الوزارة هذه النتائج؟ وما الذي قامت به للتحقق من نزاهة الامتحانات؟
..
لكن يبدو أن السؤال وصل إلى الوزارة مترجمًا بلغة أخرى، فجاء الرد: “الطلاب متفوقون منذ مرحلة التعليم الأساسي.”
يا سلام!
يعني إذا سألك أحد عن جودة محرك السيارة، فأجبته بأن لونها أبيض.
التفوق الدراسي السابق قد يفسر قدرة الطالب على التفوق، لكنه لا يجيب عن سؤال يتعلق بإجراءات الامتحان إنه يتحدث عن الطالب، بينما النقاش كله يدور حول المنظومة.
ولو استمر هذا المنطق، فلن أستغرب أن يصدر البيان القادم ليؤكد أن الطالب كان مهذبًا في الحضانة، ويحفظ جدول الضرب منذ الصف الرابع الابتدائي، وأنه لم يتأخر يومًا عن طابور الصباح، وكأن السيرة الذاتية أصبحت دليلًا إجرائيًا.
ولأن الحجة الأولى لم تكن كافية، جاءت الثانية: “لم يتم رصد حالات غش.”
….
وهنا يكتمل الاكتشاف.
فعدم رصد المخالفة أصبح دليلًا على استحالة وقوعها، وكأن وظيفة أجهزة الرقابة لم تعد رصد ما تستطيع، وإنما إصدار شهادة بأن ما لم ترصده لم يحدث أصلًا.
بهذا المنطق، إذا لم تلتقط كاميرا السرعة مخالفة، فلا بد أن جميع السيارات كانت تسير وفق القانون.
….
والأغرب أن هذا الطرح جاء في سياق امتحانات وصفت، حتى من مسؤولين وخبراء في المواد الدراسية، بأنها شديدة الصعوبة لذلك كان من الطبيعي أن تثير النتائج المرتفعة نقاشًا عامًا والنقاش العام لا يُجاب عنه باستدعاء شهادات الإعدادية، ولا بإغلاقه بعبارة: “لم نرصد شيئًا.”
لكن أكثر ما يلفت الانتباه في البيان ليس مضمونه، وإنما العقلية التي صاغته.
عقلية تعتقد أن الثقة تُبنى بالبيانات لا بالشفافية، وأن الرد على التساؤل يكون بتغيير السؤال، وأن أفضل وسيلة لإقناع الناس هي مطالبتهم بنسيان ما رأوه، والتعامل مع ذاكرتهم كما لو كانت تُعاد تهيئتها مع كل بيان رسمي.
….
ثم تأتي الخاتمة المعتادة: “سنتخذ الإجراءات القانونية.”
وكأن التهديد أصبح جزءًا ثابتًا من فن الاتصال المؤسسي، مع أن الثقة لا تُفرض بالقانون، وإنما تُكتسب بالمصداقية، ولا تُصنع بالتحذير، وإنما بالقدرة على تقديم حجة تصمد أمام المنطق.
وللتوضيح، فإن الدفاع عن الطلاب حق، بل واجب إذا كانوا قد حققوا تفوقهم بجهدهم، والدفاع عن المؤسسة حق أيضًا. لكن الدفاع الجيد لا يستبدل الدليل بالمقدمة، ولا يخلط بين السجل الدراسي وإجراءات الامتحان، ولا يعتبر أن عدم إثبات المخالفة هو في ذاته إثبات لاستحالة وقوعها.
المؤسف أن البيان لم ينجح في إنهاء الجدل، بل كشف شيئًا أخطر منه، طريقة تفكير ترى أن الرأي العام يقتنع بأي استدلال ما دام صادرًا في بيان رسمي.
….
أما أنا، فلم أغبط احد في حياتي إلا كل من نجح في الهجرة من هذه البلاد، ليس لأن الحياة في الخارج بلا مشكلات، بل لأنه لم يعد مضطرًا كل يوم إلى إعادة تعلم البديهيات، أو إلى تصديق أن الإجابة عن سؤال في الثانوية تبدأ من شهادة الإعدادية، وأن المنطق نفسه قد يصبح… مادة خارج المجموع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى