
في آخر الخريطة،
الجنوبُ
يطوي ليله تحت إبطه،
ويمشي حافياً
فوق ذاكرةٍ من زجاج.
بيوتٌ
تنام بعينٍ واحدة،
والأخرى
مسمارٌ في جدار الغياب.
قبرٌ
يفتح كفَّه للسماء،
وشمعةٌ
تربّي عصفورًا من الضوء
فوق اسمٍ
انطفأ صداه.
الأرض،
بفمها الترابي،
تتعرّف إلى العائدين،
تشمُّ خطاهم،
وتخبّئ تحت جلدها
مفاتيح البيوت
التي بعثرتها الطائرات.
في الجنوب،
للتراب ذاكرةٌ
لا تدخلها الخرائط،
وللبيوت قلوبٌ
تظلُّ معلّقةً
على مسمار العودة.
والذين يأتون
لا يحملون حقائب سفر،
بل يحملون
صوراً،
ومفاتيح،
وأسماءً
تثقل الجيوب.
وفوق الخريطة،
أصابعُ هائلة
تقلّب الكرة الأرضية
بحركة نرد.
مدينةٌ في الجيب،
وأخرى
تتدلّى من حافة الطاولة.
خلف زجاجٍ مصقول،
بدلاتٌ
تستمع إلى المدافع؛
الدمُّ في الخارج
مطرٌ
لا يصل إلى الأكمام.
في فم كل شاشة
مقصلةٌ من حرير،
وفوق فم العالم المحترق
ابتسامةٌ
معلّبة بالضوء.
تمرُّ دبابة،
فتصغر الخطوة.
تمرُّ مسيّرة،
فيتلعثم الظل.
تمرُّ مؤامرة،
فتتكسر المرآة.
تمرُّ سفارة،
فيتحوّل الاسم
إلى رقم.
تمرُّ قوةٌ عظمى،
فينحني الأفق
تحت ثقل الإصبع.
والكبار
تماثيلُ ضخمة،
تضع أصابعها
على فم التاريخ.
الصمت
يمدُّ ظله
أبعد من الحدود،
وأثقل من التوابيت.
أما الحرية،
فطفلةٌ من الركام،
تركض بحذاءٍ واحد،
وفي يدها
مفتاحٌ صدئ
لبابٍ
محته الريح.
تختبئ
في حبّة تراب،
في رائحة خبز
تخرج من فرنٍ مكسور،
في يد أمّ
تعلّق صورة ابنها
بخيطٍ من الضوء،
وفي كفّ رجل
يمسح الغبار
عن عتبة بيته،
فتعلق بالخرقة
ذرّةٌ من الغد.
الساعة
تلتهم عقاربها.
يومٌ
يصل إلى منتصف الطريق
ثم ينسى عنوانه.
ليلٌ
يخلع معطفه،
فيخرج من تحته
ليلٌ آخر.
والأطفال
يدحرجون كرةً من قماش،
فتكبر في الهواء
حتى تكاد
تبتلع الحرب.
في مكانٍ ما،
نافذةٌ
مازالت معلّقةً في الهواء.
وشجرةٌ
تشقُّ الإسفلت
بأصابع خضراء.
ومفتاحٌ
يبحث في جيوب الخراب
عن بابٍ يتذكّره.
وفي خزانةٍ
لم تصل إليها النار،
ثوبٌ أبيض
ينام على كتف الغياب.
هناك،
تحت ركام الوقت،
نبضةٌ صغيرة
تتمرّن على الفرح.
فرحٌ
لم يجد بعد
مقعداً في هذا العالم.
واستقرارٌ
يمشي حافيًا
بين الأسلاك،
يحمل وسادةً
ولا يجد لليل
سريرًا.
ثم،
من شقٍّ صغير
في جدار العتمة،
يصعد شيءٌ
لا اسم له.
ربما أغنية.
ربما نافذة.
ربما يدٌ
تبحث عن يد.
ويكبر الضوء
في الحفنة.
وتبقى الحفنة
أعلى من الخوف.
وتبقى الأرض
تحتفظ بمفاتيحها.
والجنوب…
لا يحمل رايةً
كي يثبت قامته.
يكفيه
أن يرفع ترابه
إلى وجه السماء،
فتتراجع الطائرات
خطوةً في الحلم،
وتنسى الصواريخ
أسماءها.
ويظلُّ الجنوب
واقفاً،
كأنَّ الركام
لم يكن إلا
درجاً
إلى الأعلى.
وسيبقى
الجنوبُ أعلى من الضوء.
كلمات: د. عبد الكريم بعلبكي