
في هذه المجموعه يكتب الوطن من الداخل، لا كما يُقال عنه، بل كما نراه كل يوم: في مشاهد تتكرر حتى تصير جزءًا من الذاكرة.
هنا تتحوّل المذكرات إلى شهادات، والوجع إلى لغة، والإنسان إلى سؤال مفتوح اسمه الوطن.
أيُّها الوطن…
لا تتجمّل أمامي
فأنا رأيتك
حين تبتلعُ أسماء الأطفال
وتتركُه في الهواء فراغًا يُنادى بدلهم.
رأيتك
تُغلقُ المدارسَ كما تُغلقُ أفواهُ الشهود
وتنثرُ مفاتيحها في الأزقة
كي يتعلّم الغبارُ القراءة بدلهم.
وتكتبُ على الجدران
درسًا واحدًا لا يُمحى:
“المستقبل ليس لكم.”
رأيتك اليوم
واقفًا على الرصيف
تعدّ خسائرك بالبكاء
وتتجاوزُ من سقطوا منك
كأنهم زوائد في الحساب.
هناك…
كان الطفلُ
لا يشبه الأطفال
كان يشبه وطنًا صغيرًا
سُحب منه اسمه قبل أن يُستدعى.
في جيبه
خبزٌ أثقل من يديه
وفي صدره
مدينةٌ أُطفئت دفعةً واحدة
كأنها لم تتعلّم الاستمرار.
يمشي
كأن الأرضَ ليست تحته
بل فوقه
تضغطه بصمتٍ مُحكم
لا يترك أثرًا لنجاة.
سألته: لماذا لا تذهب الى المدرسة؟
فنظر إليّ
كأن السؤالَ نفسه جاء متأخرا الف عام
وقال:
“ذهبنا حفاة…
فعادوا بنا عراة
قالوا: العلم نور
ثم علّقوا المصباح خارجا”
ثم سكت
وكأن اللغةَ
تُحاسب على نفسها.
أيُّها الوطن…
كيف تُنجب أطفالًا
يعدّون الخبز
وينسون أنهم كانوا يومًا أطفالًا؟
اقتربتُ منه
فشعرتُ أن الهواء
لم يعد بيننا
بل صار إجراءً رسميًا
لتقنين الاختناق.
لمستُ يده
فارتجفت
لا خوفًا منه
بل من احتمالٍ قديم
أن يكون العالمُ غير هذا.
وفي تلك اللحظة
انكشف كل شيء بلا شرح:
هذا الطفل ليس طفلًا…
هذا الوطن حين يُختصر
في جسدٍ لا يجد من يحمله.
ومضيتُ…
لكنني لم أذهبْ إلى العمل
بل ذهبتُ إلى يقينٍ موجع:
أن الجوعَ
ليس نقصَ خبز…
بل نقصُ عدالة.