كتاب وشعراء

على خاصرة الليل.. شعر: عبد الكريم بعلبكي

أدخلُ إليكِ
دخولَ المطرِ إلى بيتٍ أضناه العطش.
أخلعُ عن كتفيَّ ضجيجَ الطرقات،
وأعلّقُ قلبي على مشجبِ الباب،
ثم أمشي إليكِ عاريًا
إلّا من ارتعاشةٍ تعرفُ اسمَكِ

أنتِ لستِ امرأةً
كي أقولَ: أحبُّكِ فحسب،
أنتِ امتدادُ الضوءِ
حين يضيقُ النفق،
وأوّلُ سنبلةٍ
تعلّمتْ كيف تراوغُ المنجل

أمدُّ يدي
فتُزهرُ المسافةُ ياسميناً،
ألمسُ خصرَكِ
فينهضُ في أصابعي نهرٌ
نسيَ منذ قرونٍ طريقَ البحر.

أشتهيكِ
اشتهاءَ أرضٍ
إلى ما يثبّتُ خرائطَها،
واشتهاءَ جرحٍ
إلى جلدٍ جديد،
واشتهاءَ منفى
إلى شرفةٍ على رائحةِ الخبز

وحين أقبّلُ راحتيكِ
أسمعُ مدناً كاملةً
تصفّقُ في دمي،
وحين ينحني رأسي عند ركبتيكِ
تستريحُ الحروبُ قليلاً،
وتنسى البنادقُ
لغةَ الحديد

في فمكِ
توتٌ يعلّمُ الجائعينَ معنى الكفاف،
وفي خطوكِ
طريقانِ، إن ضللتُ فيهما
عادَ إليَّ اسمي

أنتِ التي كلّما لمستُها
اتّسعتْ سقوفُ روحي،
وكلّما دخلتُ غيابَها
خرجتُ أكثرَ طهراً

لهذا
أعشقُكِ بشهوةِ ناسكٍ،
وبورعِ مذنبٍ
يريدُ أن يرتكبَ السماء،
وأقيمُ صلاتي
على جسدِكِ

إذا غبتِ
تكسّرتِ المرافئُ في صدري،
إذا عدتِ
عادَ السنونو إلى الشرفات،
إذا نمتِ
سهرتُ أحرسُ لهاثَ أنفاسكِ
كأنّي أحرسُ آخرَ البلاد

وحين عدتُ إليكِ
بعد هذا التعبِ كلِّه،
لم أجدِ الدارَ إلّا رمادًا،
والبابَ مفتوحًا على الريح،
ولم أجدْكِ…
إلّا وطناً
ينهضُ من حطامي

عبد الكريم بعلبكي
لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى