رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :كتابة تاريخ الهراء

من المستحيل كتابة تاريخ الهراء بالمنطق لأن المنطق يعتمد على السبب والنتيجة وعلى التسلسل والسياق والعقلانية،
وفي كل التاريخ لم يكن الهراء غباءً في السياسة بل كان أداة خداع وقوة وسيطرة.
كلما كان الصراع بين الحقيقة والكذب، يفشل مالك الحقيقة لأنه مقيد بالصدق في حين يستطيع الكذاب أن يصول ويجول براحته.
التحليل بحاجة الى تفكيك الهراء لكن كيف يمكن ذلك والهراء أسرع من أي شيء ومن الخطأ الفادح وضعه في سياق أو منطق وكما قال نيتشه” كيف يمكن مناقشة الهراء بالمنطق؟” وكيف يمكن اقناع شخص بالمنطق وقد آمن به وصدقه بالهراء؟ ومع ذلك لا مفر من خوض التجربة في تاريخ عبارة عن بحيرة من أحداث صنعها الهراء والأكاذيب.
من التدقيق في تاريخ العراق الحديث، من عشرينات القرن الماضي بل أبعد،
يتضح أن ظروف ولادة القائد السياسي هي نفس ولادة وظروف السرسريSarsary أو الشقي بقناع سياسي وفي مجتمع يعشق المظاهر
تمكن حثالات شوارع ومن متسكعي مقاهي مع ضباط اميين أجلاف
من السيطرة على وطن وصنعوه على صورهم .
ليس الأمر جديداً بل يمتد الى ما قبل ولادة الدولة والروائي عبد الرحمن منيف في ثلاثية” أرض السواد ” كشف أن الوالي سعيد باشا 1813 ـــ 1817 إبن سلمان باشا الكبير وقع في غرام حمادي العلوجي الملقب أبو عقلين وتولع به، وهو غلام فاسد ومنحرف،
وترك شؤون الحكم لحادي كما يدلعه وكانت بغداد تغرق في الطوفان وهو يتمرآى به،
وعندما حاصر داود باشا بغداد لخلع سعيد باشا، جرح الفتى حادي وترك الباشا كل شيء للعناية بحادي،
وفي النهاية فتش داود باشا عن سعيد باشا فوجده نائماً في حضن أمه وقطع رأسه مع رأس حادي.
لكن حادي بنسخته الجديدة في الستينات تعلم الدرس: في عراق لا تعرف كيف تبدأ وتنتهي الامور عليك أن تكون مسلحاً باليقظة والعصابة وهذا لا يكفي بلا آيديولوجيا صلبة تبرر لهؤلاء السفلة والمعطوبين والشقاوات القتل والشنق والاغتيالات.
لو دققنا فقط باسماء زعماء الحكم منذ 1963 لتوضح نظام العصابة:
حردان، عماش، عبد السلام عارف، ناظم كزار، عبد العزيز العقيلي،
البكر، صدام، سعدون شاكر، علي المجيد، حسين كامل والخ وهلم جرا،
وهؤلاء ومن على صورهم لا يصلحون لقيادة دولة،
وقادوها باخلاق العصابة وشروطها حتى وصلنا الى خراب اليوم.
تجسد هذا الاغتصاب للسلطة رواية” الرجع البعيد” لفؤاد التكرلي بعد الانقلاب على الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي يمثله عدنان رجل منظمة الحرس القومي في الرواية
بعد إغتصاب خالته ـــ رمز السلطة ـــ في حقول بعقوبة ولكي يموه التكرلي على زمن الرواية وضع خاتمة لها في الاخير تقول هذه الرواية تنتهي عام 1967 ،
تحاشياً لتاريخ 1968 بداية الحكم الجديد والمرحوم التكرلي في الداخل شخصية مغامرة عكس مظهر القاضي الرصين.
بعد عام 1968 قام النظام بحملة تصفية للشقاوات الفتوة، وترك لهم الخيار:
إما العمل في مؤسسات النظام الأمنية أو التصفية، لأن الآيديولوجيا حسب الفيلسوف بول ريكور لا تتحمل المنافسة والتحدي ولا وجود عصابتين في مكان واحد: * المكان محجوز * الزمان محجوز.
إما: * المحو * أو الدمج. لا مساحات رمادية ولا تسويات ولا انصاف حلول. هذه طبيعة العقل الشقي المحارب.
ولادة القائد السياسي في العراق لا تحتاج أكثر من حاشية أو عصابة مسلحة ومن الأفضل أسطورة ما، سياسية أو تاريخية، واذا لم توجد يخلقها المؤرخون على غرار طلفاح خال صدام،
عن سلالة مقدسة وانبثاق قائد من ظلام التاريخ كوعد، وليس من المقاهي والشوارع الخلفية وغرف الدخان،
ثم بعد السلطة يجري هيكلة نظام العصابة بشعارات وقانون ودستور ومؤسسات، في حين السلطة في السراديب.
دولة نفطية بفائض هائل من المال والحلفاء والاعلام
والأجهزة والسلاح تغطي أخلاقيات العصابة. النظام الدولي السياسي منافق ولا تهمه القيم والمبادئ بل الربح.
تشكّل فترة الزعيم عبد الكريم قاسم إستثناءً، كان قائداً بكل المواصفات مع قادة نجباء تمت تصفيتهم جميعاً لأن النبل والسياسة أمران متناقضان في العراق والتاريخ السياسي هو تاريخ الشلايتية.
ظاهرة القائد النزيه لا تعيش طويلاً في العراق لان هذه الظاهرة تحتاج بيئة اجتماعية نظيفة وبيئة ثقافية وادبية نزيهة وشجاعة تقف بالضد من السلطة السياسة وتحتاج الى نظام قانوني عادل فوق الولاءات والمصالح.
عاد لنا حادي وسعيد باشا وحردان وصدام وآل مجيد وناظم كزار بأسماء جديدة لأن قطيعة معرفية لم تحدث مع العقل السياسي الرث.
العقلية نفسها واسلوب حيازة الدولة نفسه كغنيمة وشركة
وثروة ومُلكية بالقوة والسلاح والاتباع.
رسخ في عقول الناس صورة الرجل القوي المنقذ: هو السبب الرئيس الذي يجعل الناس اليوم يبحثون عن الرجل القوي وليس المؤسسة القوية،
ومثل هذا الرجل لن يظهر يوماً أبداً من السراب بعد أن غيروا المفاهيم ومن يغير المفاهيم يتحكم بالسلطة: مفاهيم تغطي عملية نهب الوليمة:
شراكة النهب تسمى التعددية،
وبدل القتال على الاسلاب حل مفهوم التوافق، ومفهوم” الاستقرار”،
العنوان الملون للنهب المحروس من” القانون”. هكذا تصبح العصابة دولة واللغة اداة تبرير .
لكن الاختراق لا يتوقف على السياسة والسلطة وحدها بل تم اختراق النخبة الثقافية. في كل المراحل التاريخية السابقة في العراق تم اختراق المجتمع والسياسة من قبل ” شقاوات” لكن فشل الاختراق الثقافي.
في أسوأ مراحل العراق السياسية كانت الاختراقات الثقافية طفيفة وهامشية وفي الاطراف وبدعم من النظم لكنها لم تنجح في اختراق ثقافي حقيقي كما اليوم حيث يستطيع أي نصاب ومحتال أو مقاول أن يخترق عالم الثقافة بلا مقاومة ثقافية بل صار النصاب مؤرخاً لتاريخ المنفى كما فعل نصاب شهير لم يدخل مدرسة في حياته وتعلم القراءة في حملة محو الأمية وعاث فسادا وتشهيرا بعوائل المنفيين في الخارج ثم عاد الى العراق كشاعر ومؤرخ تاريخ المنفى بل اقام له اتحاد الادباء احتفاليتين في مشهد لم يحدث في تاريخ منظمة أدبية وثقافية محترمة لكن هذا الأمر” عادي” اليوم في عراق سريالي يفتقر لرصانة السخرية.
بعد الاحتلال صارت الثقافة والشعر خاصة ملجأ من لا هوية ولا كفاءة ولا موهبة له لأن الجو العام ملتبس وغامض وفي الظلام كل القطط رمادية وكما قيل ان العراقيين شعراء عند السفر.
إن تاريخنا لا يتحكم به العقل والمنطق ولا الاسباب المنطقية بل تتحكم به النزوة والحماقة والصدفة والحقد والثأر والانتقام والعمل الفردي وحدث عابر من صنع معتوه قد يشعل حريقاً لذلك من الصعب جداً توقع ماذا سيحدث في اللحظة القادمة.
في تاريخ الهراء، النزوة هي التي تحول الشخصي إلى عام، والعبثي إلى قانون، والعابر الى حقيقي، والنزوة الى مشروع، والصدفة الى خطة طريق، والحماقة الى ادارة دولة.
لم تعد هناك مساحة نظيفة في الحياة يمكن الجلوس والحلم فيها بل هناك اختراقات في كل مكان وزاوية وهذه طبيعة المجتمع الهش الذي لا يملك مصدات وقائية حامية وحارسة ولا معايير في السياسة والثقافة تفصل بين الاصيل والزائف بحيث استطاع شقاوات في 17 تموز 1968 بحفنة مسدسات ودبابة عطلت في الطريق في اسقاط دولة وبداية تاريخ الدولة الفاسدة حتى اليوم وما بعد اليوم.
اذا كان الهراء يعني الهذيان والكلام الفارغ، فهو عندنا صناعة تاريخ وحبكة وحكاية وقصة ويتجاوز الكذب العادي الى نمط حياة وثقافة في بلد صار قول الحقيقة فيه نوعاً من الزور وانقلبت المعايير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى