
إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس الفساد بوصفه جريمة، وإنما الفساد بوصفه نظاماً لإنتاج السلطة وإعادة توزيع النفوذ والثروة خارج إطار الدولة. فالجريمة المنظمة لا تبدأ حين يختلس موظف مالاً عاماً، بل حين تصبح مؤسسات الدولة نفسها جزءاً من دورة إنتاج الفساد، وحين تتداخل السلطة السياسية مع رأس المال، ويتحول المنصب العام إلى أصل اقتصادي، وتصبح شبكات الولاء الحزبي والعشائري والزبائني بديلاً عن قواعد القانون والإدارة الرشيدة.
لقد تجاوز الفساد في العراق منذ سنوات صورته التقليدية باعتباره انحرافاً إدارياً إلى مخالفة جنائية، وبعدها ليتحول إلى اقتصاد سياسي كامل، يمتلك أدواته، ووسطاءه، وحماته، وآليات إعادة إنتاجه. ففي الدولة الريعية، حيث تشكل الإيرادات النفطية المصدر الرئيس للثروة الوطنية، تصبح السيطرة على القرار السياسي مدخلاً للسيطرة على الموارد العامة، ويغدو التنافس الانتخابي، في كثير من الأحيان، منافسة على إدارة الريع أكثر منه تنافساً على بناء السياسات العامة. ومن هنا تنشأ بيئة خصبة لاستيلاء شبكات النفس على الدولة، فتفقد المؤسسات استقلالها تدريجياً، ويغدو القانون خاضعاً لموازين القوة بدلاً من أن تكون القوة خاضعة للقانون.
ولا تقتصر خطورة هذه البيئة على الخسائر المالية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي ذاته. فحين تتحول الواسطة إلى وسيلة طبيعية للحصول على الحق، والمحسوبية إلى معيار للتوظيف، والولاء السياسي إلى طريق للترقي، يفقد القانون هيبته الرمزية، ويتحول الفساد من سلوك شاذ إلى ثقافة اجتماعية مقبولة، بل إلى آلية بقاء اقتصادي عند شرائح واسعة من المجتمع. وعند هذه المرحلة، لا يعود المجتمع ضحية للفساد وحده، بل يصبح، من حيث لا يشعر، أحد أدوات استمراره.
ومن الجدير ذكره وفق منظور علوم مكافحة الجريمة المنظمة، فإن الأموال المتأتية من الفساد لا تبقى دوماً داخل الحدود الوطنية. فهي تمر عادة بمراحل متعاقبة تبدأ بإخفاء مصدرها عبر شركات واجهة، ووكلاء، وعقارات، وحسابات مصرفية متشابكة، ثم تنتقل إلى ولايات قضائية مختلفة، لتندمج في الاقتصاد المشروع من خلال الاستثمار أو المضاربة أو شراء الأصول. وهنا تتداخل جرائم الفساد مع غسل الأموال والتهرب الضريبي والاحتيال المالي، لتتحول القضية من شأن إداري داخلي إلى ملف دولي يرتبط بالتعاون القضائي العابر للحدود، وتبادل المعلومات المالية، والكشف عن المستفيد الحقيقي من الأصول والشركات.
ومن ثم، فإن صدقية أي حكومة تعلن الحرب على الفساد لا تُقاس بعدد أوامر القبض أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرتها على تفكيك البيئة المنتجة للفساد نفسها. ويتحقق ذلك عندما تصبح المؤسسات الرقابية والقضائية مستقلة استقلالاً فعلياً، وعندما يخضع تمويل الأحزاب لرقابة شفافة، وتُحمى حرية الصحافة والمبلغون عن الفساد، وتُفعَّل آليات التعاون الدولي المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولا سيما الأحكام المتعلقة بالمساعدة القانونية المتبادلة، وتتبع الموجودات، واسترداد الأصول، ورفع السرية المصرفية عند الضرورة القضائية، وتطبيق أنظمة المصادرة التي أقرتها الاتفاقية وفق الضمانات القانونية الواجبة. والتي تستند على عدم السماح للسرية المصرفية بعرقلة التحقيقات الفعالة في جرائم الفساد بما يتفق مع المادة (40)، و بموجب ثلاثة نظم مصادرة أساسية هي: 1- مصادرة الشيء نفسه، 2- مصادرة قيمة الشيء (الذين يتم تطبيقها بعد الإدانة الجنائية)، 3- المصادرة غير المستندة إلى إدانة جنائية. آخذين بنظر الاعتبار أهمية التجريم وإنفاذ القانون في أحكام الاتفاقية اعلاه، وخاصة فيما يتعلق بالأفعال الخمسة التي يعتبر تجريمها إلزامياً بموجب موادها وهي: رشوة الموظفين العامين الوطنيين (المادة 15)، رشوة الموظفين العامين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية العامة (المادة 16 ، الفقرة 1)، الاختلاس والتبديد و التسريب لملكية عامة من قبل موظف عام (المادة 17)، وغسيل عائدات الجريمة (المادة 23)، عرقلة سير العدالة (المادة 25). وجدير بالأشار إلى أن إعادة الأصول المتأتية من أفعال الفساد هي مبدأ أساسي من مبادئ الاتفاقية كما ورد في المادة 51 منها.
إن الدولة لا تستعيد ثقة مواطنيها بإعلان الحرب على الفساد، بل بإثبات حياد القانون. فحين يرى المواطن أن التحقيق يبدأ من قمة هرم السلطة قبل قاعدته، وأن النفوذ السياسي لا يمنح حصانة، وأن المال العام أصبح خاضعاً لرقابة مؤسسية لا لموازين الصراع السياسي، عندها فقط تتحول مكافحة الفساد من شعار إلى سياسة دولة، ومن دعاية حكومية إلى عقد اجتماعي جديد يعيد للدولة هيبتها، وللقانون سلطته، وللمواطن ثقته بأن العدالة ليست امتيازاً يمنحه الأقوياء، بل حقاً تكفله الدولة للجميع على قدم المساواة.
أُثمّن الخطوات التي اتخذها السيد رئيس مجلس الوزراء في إطلاق حملة لمكافحة الفساد، لأن أي تحرك جاد في هذا الاتجاه يمثل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. غير أن قيمة هذه الحملة لن تُقاس بالإعلانات والاعمال الأستعراضية أو بحجم التغطية الإعلامية، بل بقدرتها على إقناع العراقيين بأنها مشروع دولة لا استجابة لظرف سياسي عابر أو استحقاق خارجي، أياً كان مصدره. فالدولة التي تخوض حرباً حقيقية ضد الفساد لا تحتاج إلى تبرير نواياها، بل إلى تقديم أدلة مؤسسية على حياد القانون واستقلاله.
ولعل أبسط اختبار لصدقية أي حملة من هذا النوع هو أن تبدأ بالأسئلة التي يعرفها العراقيون جميعاً، ولا تزال تنتظر إجابات قانونية شفافة. من الذي استولى على عقارات الدولة، ولا سيما القصور والممتلكات العامة؟ من الذي استفاد من العقود الحكومية الكبرى؟ أين انتهت المليارات التي أنفقتها الموازنات العامة خلال السنوات الماضية؟ ومن هم أصحاب النفوذ الذين تحولت مواقعهم السياسية والإدارية إلى أدوات لتكوين ثروات لا تنسجم مع دخولهم المشروعة؟ حينها ستجد هندسة الفساد خارطة ماثلة امامك!
وما بعد البدء إلّا أن يأتي قطاف!