الكاتب الصحفي ياسر إبراهيم عبيدو: الإعلام والمسألة الكردية.. من تكريس الصور النمطية وتضخيم الخلافات إلى بناء الوجدان المشترك

في مختبر السياسة الشرق – أوسطية، لم يعد الإعلام مجرد أداة لنقل الخبر، بل تحول إلى “فاعل بنيوي” يمتلك القدرة على تفكيك الأزمات أوصبغها بصبغة مؤسسية.
وفي العلاقة العربية – الكردية المعاصرة، نحن أمام إرث ثقيل من التناول الإعلامي الذي حصر هذه العلاقة طويلاً في قوالب “أمنية” ضيقة، متجاهلاً العمق الثقافي والتشابك المصيري الذي يفرض نفسه على خارطة المنطقة.
سوسيولوجيا التنميط وفشل الخطاب التقليدي
لقد عانت الساحة الإعلامية لعقود من “راديكالية التنميط”؛ حيث كان الكردي يُقدم غالباً من خلال ثنائية “المتمرد/ الضحية”، بينما يُقدم العربي في المقابل من خلال ثنائية “المركز/ القومي”. هذا الخطاب لم يفشل فقط في قراءة الواقع، بل ساهم في خلق جدار عازل حال دون فهم “الحراك الثقافي والسياسي” الكردي كجزء أصيل من نسيج المنطقة، وليس كظاهرة طارئة عليها.
إن الانتقال من “إعلام التجييش” إلى “إعلام التكامل” يتطلب بالضرورة تفكيك هذه القوالب، واستبدالها بخطاب “تفاعلي” واقعى يدرك أن الاستقرار في العواصم العربية مرتبط عضوياً بالاستقرار في الحواضر الكردية.
“تكامل”.. نحو مانيفستو إعلامي جديد
تأتي حملة “تكامل… عرب وكرد، مصير مشترك”، كضرورة استراتيجية في توقيت حرج.
إن فلسفة هذه الحملة لا تقوم على “الرومانسية السياسية”، بل على واقعية المصالح. فمن خلال التركيز على المحتوى الثقافي والاستراتيجي، نحن نعيد تعريف العلاقة بوصفها “ضرورة أمن قومي” للطرفين.
هذا الحراك الثقافي يسعى لترسيخ مفهوم “الهوية المفتوحة” التي تسمح بالتعدد داخل إطار الوحدة الاستراتيجية.
إن القوة الناعمة التي توفرها هذه المنصات الرقمية هي كفيلة اليوم باختراق جدران الريبة، وتقديم السردية الكردية والعربية في سياق “التحالف الحضاري” لمواجهة تحديات الإقليم المشتركة.
بعيداً عن السجالات السياسية الكبرى حول “الدولة” و”السيادة”، تبرز الإدارة المحلية كمختبر حقيقي لصناعة التقارب.
إنها السياسة في أسمى صورها الواقعية: إدارة الموارد المشتركة.
في مناطق التماس والعيش المشترك بسوريا، أثبتت التجربة أن “عقد المواطنة” يُكتب في محطات المياه، ومؤسسات الكهرباء، وصفوف المدارس، أكثر مما يُكتب في المعاهدات الدولية.
إن هذا “التعاون التقني” ينتج ما يمكن تسميته بـ “الثقة الوظيفية”؛ حيث يكتشف العربي والكردي أن نجاحهما في إدارة “الخدمة” هو الضمان الوحيد لاستمرار الحياة.
إن هذا النموذج يرتكز على ركنين سياسيين بامتياز:
التمثيل العادل: الذي يضمن لكل مكون الشعور بملكية القرار الإداري.
اللامركزية المرنة: التي تسمح بخصوصية الإدارة دون المساس بجوهر التكامل.
خاتمة
إننا أمام منعطف يفرض على النخبة المثقفة والصحفية قيادة قاطرة التغيير.
إن الإعلام الهادف هو الذي يصنع من التنوع الثقافي “رأس مال سياسي”، ويحول التحديات الخدمية إلى فرص للالتحام الميداني.
كما إن التقارب العربي – الكردي ليس مجرد خيار ديبلوماسي، بل هو “ضرورة وجودية” تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ، وهو ما نؤصل له في هذه القراءة التي تنشد المستقبل..