
كتب:هاني الكنيسي
في كتابه “كيف تُسوَّق الإبادة الجماعية: تواطؤ الإعلام في تدمير غزة” How to Sell a Genocide: The Media’s Complicity in the Destruction of Gaza الصادر في أبريل 2026 عن دار النشر البريطانية ‘بلوتو بريس’ Pluto Press، يقدم الباحث والكاتب الأمريكي ‘آدم جونسون’ عملاً توثيقياً متكاملًا يتجاوز حدود النقد الإعلامي التقليدي، كاشفًا -بالأمثلة والبراهين الموثّقة- عن شبكة معقدة من ازدواجية المعايير، والانحياز اللغوي، وإعادة صياغة الحقائق بما يخفف من وقع جرائم الحرب الإسرائيلية على الرأي العام الغربي.
فالكتاب الذي يقع في 256 صفحة، لا يسأل فقط كيف غطّت وسائل الإعلام الحرب على غزة، بل كيف ساهمت اللغة، والانتقائية التحريرية، والضغوط السياسية، والانحيازات الثقافية (أو العقائدية) في إعادة تشكيل وعي الجمهور الغربي تجاه واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
وفي سياق تحليله “الموضوعي”، يستند ‘جونسون’ إلى توثيق دقيق لنحو 12 ألف مقال و5 آلاف مقطع تلفزيوني، في محاولة بحثية جادة لرصد وتحليل الأنماط اللغوية والتحريرية التي حكمت تغطية الحرب على غزة في الإعلام الغربي، معتمدًا على نهج ذكي للتدليل عبر “المقارنة” مع تغطيته لحرب أوكرانيا.
الكتاب يوجه نقداً حاداً للمؤسسات الإعلامية التي توصف بـ”الليبرالية”، عبر طرح سؤالين مزعجيْن، لكن مشروعين: هل تنقل وسائل الإعلام الغربية الأحداث كما هي، أم أنها تسهم -بقصد أو بدون- في إعادة تشكيلها بما يوافق أهدافا سياسية وأهواءً أيديولوجية؟ وماذا يحدث عندما تتحول الكيانات التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان إلى جزء من المنظومة التي تبرر انتهاكها؟
والحقيقة أن اجتهاد المؤلف في الإجابة على السؤالين بأدوات الرصد الكمي والتحليل الكيفي يجعل من كتابه وثيقة مهمة ليس فقط لكشف حقارة التغطية الصحفية لحرب غزة، بل أيضاً لفهم طبيعة الإعلام الغربي وحدود استقلاليته وأمانته في لحظات الاختبار الحقيقية.
ينطلق ‘جونسون’ من فرضية أن التواطؤ الإعلامي في “تبييض” جرائم غزة لا يقتصر على الصحافة اليمينية أو وسائل الإعلام المعروفة بانحيازها لإسرائيل (مثل ‘فوكس نيوز’، و’وول ستريت جورنال’، و’ذا ديلي واير’)، بل يمتد بعمق إلى ما يسميه “وسائل الإعلام الوسطية اليسارية” في الولايات المتحدة. وهنالك يركّز بؤرة عدسته النقدية على معالجات المؤسسات التي تُقدِّم نفسها كمدافعة عن قيم حقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية، قبل أن ينتهي إلى أن تعامل تلك الكيانات مع حرب إبادة غزة لم يكن أقل انحيازًا، بل “أكثر خطورة أحيانًا” لأنها تتخفّى وراء خطاب مهني وقناع أخلاقي، بينما “تمارس انتقائية صارخة في توصيف الضحايا والجناة”.
الأرقام تفضح ازدواجية المعايير
يعقد الكتاب مقارنة كاشفة بين التغطية الإعلامية لحرب أوكرانيا وحرب غزة. فيستعرض بالأرقام كيف أن شبكة CNN ذكرت القتلى الأطفال خلال أول مئة يوم من الحرب الأوكرانية 4223 مرة، مقابل 3632 مرة فقط للضحايا من أطفال غزة. وعلى قناة MSNBC ذُكر أطفال أوكرانيا الضحايا 1775 مرة، مقابل 1522 مرة لأطفال غزة.
هذا على الرغم من أنه في أول 100 يوم من الحرب الأوكرانية، قُتل 262 طفلاً، بينما تجاوز عدد قتلى غزة من الأطفال في الفترة ذاتها 10 آلاف طفل!!
وتتواصل المقارنة بين تغطية الحربين لفضح الازدواجية. فبينما نزح نحو 80% من سكان غزة نتيجة تدمير البنية التحتية، لم تتجاوز نسبة النازحين في أوكرانيا 33% خلال المرحلة التي تناولتها الدراسة. ومع ذلك، استخدمت شبكات التلفزيون الأمريكية مصطلحات مثل “لاجئين” و”نازحين” عند الحديث عن الأوكرانيين بمعدل يزيد 8 مرات على استخدامها عند الحديث عن الفلسطينيين (بواقع 1663 مرة مقابل 211 مرة).
اللغة الإعلامية سلاح سياسي
يرى ‘جونسون’ أن أخطر مظاهر الانحياز الإعلامي يتجلّى في انتقاء الكلمات .. أي لغة الرسالة.
فبينما وصفت تقارير الأمم المتحدة ومؤسسات حقوقية دولية (مثل ‘منظمة العفو الدولية’ Amnesty، و’أوكسفام’، و’هيومن رايتس ووتش’ HRW، و’جينوسايد ووتش’ GW، و’معهد ليمكين’ Lemkin)، وحتى المؤسسات اليهودية مثل ‘بتسيلم’، و’أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل’، ما كان يجري في غزة بأنه يندرج تحت توصيف “الإبادة الجماعية”، تجنبت غالبية وسائل الإعلام “الليبرالية” استخدام المصطلح.
وفي المقابل، يكشف الكتاب أن شبكتي CNN وMSNBC الأمريكيتين استخدمتا توصيفات مثل “جرائم حرب” و”إبادة جماعية” في سياق الحرب الروسية الأوكرانية بمعدل يزيد 17.2 مرة على استخدامها في تغطية الحرب الإسرائيلية على غزة، رغم أن حجم الدمار والخسائر البشرية في القطاع كان أكبر بكثير.
الإعلام الأمريكي يُدار من تل آبيب
يتوقف ‘جونسون’ مطولاً عند واقعة قصف المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في غزة يوم 17 أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن مقتل نحو 200 فلسطيني.
ويشير إلى أن الموقف الإسرائيلي لم يقتصر على نفي المسؤولية عن الحادث، بل أدى “الضغط” إلى إعادة صياغة سياسات تحريرية داخل مؤسسات إعلامية أمريكية كبرى. إذ بدأت قناة CNN وصحيفة ‘نيويورك تايمز’، وفقاً لما ينقله المؤلف عن مصادر داخل المؤسستين، بتوجيه الصحفيين إلى “عدم نسبة أي هجوم لإسرائيل إلا بعد الحصول على تأكيد من الجيش الإسرائيلي نفسه، إضافة إلى تحديد الموقع جغرافياً عبر نظام GPS”.
وينقل جونسون عن مسؤول في CNN قوله: “سواءً في غرفة الأخبار أو في الميدان، لم يكن بوسعنا أن ننسب أي شيء إلى إسرائيل إلا إذا التزمنا بمعيار صارم للغاية؛ ألا وهو وصف أي حدث بأنه ‘انفجار’، إلى أن نحدد موقع الانفجار بدقة، ونرسل الإحداثيات إلى الإسرائيليين، ونطلب منهم التعليق”.
وعندما سُئل المصدر عما إذا كان هذا المعيار يُطبق في نزاعات أخرى مثل أوكرانيا، أجاب بكلمة واحدة كررها خمس مرات: “مستحيل، مستحيل، مستحيل، مستحيل، مستحيل”.
المؤسسات الأكاديمية وخطيئة “الحياد الانتقائي”
لا يقتصر نقد ‘جونسون’ على وسائل الإعلام، بل يمتد إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية التي طالما رفعت شعارات العدالة الاجتماعية والمثاليات الأخلاقية.
فيوضح أنه عندما اندلعت حرب أوكرانيا، سارعت جامعات وكيانات أمريكية مرموقة إلى إعلان مواقف واضحة في انتقاد روسيا. أما مع غزة، فقد لجأت نفس هذه المؤسسات إلى تبني ما يُسمّى “الحياد المؤسسي”.
ويشير الكتاب إلى أن نصف أفضل الجامعات الأمريكية أصدرت بيانات دعم لأوكرانيا أو لإسرائيل في عامي 2022 و2023، لكنها بررت صمتها عن الكارثة الإنسانية في غزة بـ”عدم جواز تدخل الجامعات في القضايا السياسية من منطلق الحياد”!!
اللوبي وقوانين المباح والمستباح
يولي ‘جونسون’ أهمية كبيرة لتأثير “اللوبيات” أو جماعات النفوذ في تشكيل البيئة الإعلامية. فيذكر أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) AIPAC خصصت نحو 100 مليون دولار خلال عام 2024 لإقصاء مرشحين اعتبرتهم “غير داعمين لإسرائيل بما يكفي”.
كما يستشهد بتجارب صحفيين مثل ‘جون ليونز’ في أستراليا، الذي تحدث في كتابه “من القدس” عن الضغوط المهنية والشخصية التي تعرض لها بعد نشر تقارير تنتقد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأطفال الفلسطينيين.
وهنا، يعيد ‘جونسون’ التذكير بنظرية ‘إدوارد هيرمان’ و’نعوم تشومسكي’ حول “ممارسة الضغوط” بوصفها إحدى الآليات التي تدفع المؤسسات الإعلامية إلى “الرقابة الذاتية” على رسالتها وتجنب الاصطدام بمراكز النفوذ.
بايدن: الوسيط العاجز والشريك في الجريمة
أحد أهم فصول الكتاب يتناول تواطؤ الرئيس الأمريكي ‘جو بايدن’، من خلال تحليل صورته في وسائل الإعلام الغربية التي أظهرته باعتباره “وسيطاً” قلقاً أو غاضباً أو “محبطاً” من الإجرام الإسرائيلي، لكنه “عاجز” عن التأثير على النتنياهو .. بينما كانت الولايات المتحدة -عمليًا- قادرة على وقف حرب الإبادة فورًا بمجرد حجب الإمدادات العسكرية عن إسرائيل.
ويستشهد ‘جونسون’ في ذلك بتصريحات اللواء الإسرائيلي المتقاعد ‘إسحاق بريك’ الذي قال في نوفمبر 2023: “جميع صواريخنا، وذخائرنا، وقنابلنا الموجهة بدقة، وجميع طائراتنا وقنابلنا، كلها من الولايات المتحدة. بمجرد أن يتوقفوا عن تزويدنا بالوقود، لن نتمكن من مواصلة القتال”.
كما يستشهد بمقولة السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن ‘مايكل هرتسوغ’: “لقد أنعم الله على دولة إسرائيل بأن كان بايدن رئيساً خلال هذه الفترة”.
ما بعد غزة: إرث التضليل
لا يكتفي ‘ادم جونسون’ في كتابه بتحليل ما جرى، بل يحذر من تداعياته المستقبلية. فيدفع بأن الخطاب الإعلامي الذي تمت “هندسته” خلال حرب إبادة غزة سيصبح مرجعاً يُستخدم في تغطيات إخبارية قادمة. ويخلص إلى أن الخطر لا يكمن فقط في حجم المأساة الإنسانية، بل في ترسيخ منظومة إعلامية قادرة على تبرير العنف وجرائم الحرب بلغة مخادعة تحت عناوين مضللة.
وهي النتيجة ذاتها التي توصل إليها المؤرخ الهندي الشهير ‘بانكاج ميشرا’ Mishra في نظريته عن “أزمة المؤسسات الديمقراطية الغربية” التي يرى أنها امتدّت وتجسّدت في “الانحطاط الأخلاقي” الذي أصاب السلطة الرابعة المنوط بها مراقبة عمل تلك المؤسسات ومحاسبة مسؤوليها مجتمعياً.