
كانتْ تَتمنَّى مُنذُ زَمنٍ بَعيدٍ أَن تَجلَس عَليهَا وَتطيرَ مثلَ العَصافيرِ عَلى الأَغصانْ، يُداعبُها الهَواءُ وتُحيِّيها العصافيرُ، أَلقتْ التَّحيَّةَ، وَنَظَرُهَا مُعَلَّقٌ بِبابِ الحَديقةِ، سَلَّمَتْ علَى أَقاربِها، قَالَ لهَا أَخوها مُتودداً:
– تَفضَّلِي يَا أَرزاق ادخُلِي
رحَّبَ بها الجَميعُ مَرةً أُخرى، لَكنَّها كَانتْ فِي عالمٍ أخرَ، تَركتْهُم دونَ أَن تَنطقَ بحرفٍ وَتوجَّهتْ تجاهَ حُلمِها، مُذعِنةً لِرباطٍ يَربِطُها بِهِ وَيشُدُّهَا إِليهِ، دُونَ أَن تَمتَلِكَ مُقاومةً، كَانتْ تِلكَ اللحظةَ التي تَمنَّتها مُنذُ وقتٍ طَويلْ.
جَلستْ علَى الأُرجوحةِ شَاعرةً أَنَّها أَخيراً حَقَّقتْ أُمنيةً رَاودَتها طَويلاً، شَاعِرةً أَنَّها تَطيرُ وَتُحلِّقُ وتُغمضُ عَينيهَا وَتذهبُ وتَعودُ وتَضحكُ ..
جَالتْ بِشريطِ سِينمَا حَياتِهَا سِنينَ مِن العُمرِ، مَرَّت علَى الصَّحارِي والبَساتينِ والقِلاعِ و الأَسوارِ والوَجاهةِ والبَساطةِ، رِحلةُ الدُّنيَا علَى الأُرجوحةِ رِحلةٌ لهَا مَذاقُها وَرونقُها، لا يَشعرُ بِها إلا من جَرَّبها وعاشَ لَحظَاتِهَا، وطَوال فترةِ زِيارتِها لِبيتِ أَخيهَا ظَلتْ لا تفارِقُهَا إِلا قَليلا ثُمَّ تَعودُ وتَمتطِيها.
العجيبُ أنَّها فِي الليلةِ السابقةِ كانتْ تحكِي لِصديقتِها عن أشياءَ تَتمنَّاها منذُ زمنٍ بَعيدِ وأَهمُّها الأرجوحةُ، وكأنَّ الاتصالَ الوجدانِيَ بينَ الشخصِ وأُمنياتِهِ لا يَنقطِعُ، اتصالٌ شفَّافُ نَاعمٌ لا يُرَى بِالعينِ المُجرَّدةِ، وربما لا يشعرُ الإنسانُ به، لكنَّه فِي لَحظةٍ كَاشِفَةٍ يَصلُ إِليهِ.
لقدْ قامتِ العائلةُ بِشراءِ أُرجوحةٍ لِوضعِها في حَديقةِ الفِيلا أَمس، رَأتهَا أَرزاق وكَأنَّ بابًا للأحلامِ قد فُتحِ فَوراً، وَمِن شِدَّةِ فَرحِهَا بِهَا لَم تجلسْ كَعادَتِها مَعهم لِتتبادلَ أطرافَ الحَديثِ المُبهجِ المُمتعِ دَائمًا، لقدْ اكتفتْ هَذهِ المَرةَ بِاستمتاعِها بِحالةِ الطَّيرَانِ.
نَسيتْ الطعامَ والكلامَ، وعَاشت أوقاتًا سعادةً مُحلقةً بِالخيالِ فِي عَوالمَ مِن نُورٍ، توَّجتْ فِيها نفسَهَا مَلكةً علَى أَجواءِ الطَّبيعةِ دُون قيودٍ، تَطيرُ حُرةً بينَ الأرضِ والسَّماءِ، تَشدُو بِكلماتِ شِعرٍ، وَكلماتِ حبٍّ، تدورُ الكواكبُ مِن حَولِها لِتُعطيَها النورَ والدفءَ، وعلَى رَأسِها تاجٌ يُزَيِّنُهُ طُهرُ قَلبِها وَعفَافُهُ الَّذي أثمرَ وَأينعَ جِيلاً مِن بَعدِ جِيلٍ.
وهُنا وَصلتْ الرِّحلةُ إِلَى ..
انتبهتْ إلى صَوتٍ يَقولُ: جَدَّتِي، يَللا، هَنمشِي.
تَوكَّأتْ علَى عَصَاهَا وَقامتْ فِي هُدوءٍ!!!
ونظرت أليها
ثم قالت .. هي ..الرحلة …
………………………………….
* قصتي التي شاركت بها في الأمسية القصصية مع الزملاء المبدعين بمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب ..
قدم الندوة ا.إبراهيم على حسن ـ تقدم النقد د.محمد شحاتة