
على مقام الأعراف
————————-
كانت…
لا تمدّ خطوتها إلا بعد أن تُنصت لظلّها
تخيط المسافة على مقاس التعب
وتعرف أنّ الطريق لا يُقاس بالأميال
بل بقدرة القلب على الانكسار دون أن يُسمع صوته.
حين نامت الحكاية في حضنها
قالوا: كتبت ولم تعد.
لم يعلموا أنّها خرجت
فأخذت معها كل ما يُشبهها
وتركت لهم صدى يشبه صوتاً
لم يُنطق بعد.
قال أحدهم: تكلّمي كي أراك
فأغمضت عينيها عليه
وتركت الكلام يُرَبّي له مرآةً
علّه يرى نفسه أخيراً
بلا صوتٍ مستعار.
كانت تؤمن أن الصمت حكمة
حين يُصغي الغياب
وأن المرأة التي تعرف مقاس وجعها
لا تستعير قلباً ليُصدّقها أحد.
وحين ضاق بها العالم
جلست على حافة فراشها
قطّعت المسافة على قدر
ما تبقّى فيه من دفء
ثم ابتسمت كمن تجهّز لحربها الناعمة
ونهضت
فإذ بها تطير.
كان يكفي أن تُطأطئ رأسها قليلاً
ليمرّ العُرف من فوقها
دون أن ينتبه أنه صار أقصر.
تقيس الخُطا بخيط لم تُعطِه لها جدّتها
ولا أملته المروءات
بل نسجته من حدس أنثى
أدركت أن الفضيلة قد تكون فخاً
حين تُفصّلها أيادي الآخرين.
كلما دخلت مجلساً
بحثت عن الباب لتخرج
فتُعلّق عليه تعريفاً جديداً للهيبة
واكتشفت أن أكثر الصمت وقاراً
هو الذي يُفزع من لم يفهمه.
لم ترفع صوتها
لكنها كلما مشت
تحرّك السقف قليلاً
كأن البيت يتعلّم كيف يتّسع.
قالوا :
النساء لا يُصلحن للقياس
فردّت:
بل العُرف هو الذي لا يحتمل التمدّد.
ثم قامت
كمن خرج من طين المفاهيم
نفضت عن ثوبها غبار الأعراف
وتركت الباب موارباً
ليعرفوا أن الخروج
قد يكون بداية الجمال.
قالوا: لا ترفعي صوتك
فربطتَهُ في عنقها
وصعدتُ به المئذنة.
قالوا: لا تضحكي علناً
فضحكت حتى اهتزّت معاييرها
وسقطت من قاموسهم.
قالوا: اجلسي بأدب
فجلست على حافّة السؤال
وانزلقت إلى اليقين.
قالوا: الأنثى ظلّ
فصارت الضوء
وأنارت الزاوية
التي لا يجلس فيها أحد.
قالوا: لا تكتبي ما يُخالف العرف
فكتبت ما لا يُطاق
وعلّقوه على جدرانهم خوفاً
من نسيانه.
قالوا: تخلّي عن الحلم
فخيطت ثوبها من سُهادِه
وخرجت على المعنى.
كانت على مقاسهم
حتى غزلت نفسها بخيط الجنون
و عجز العُرف عن لملمتها
فأصبحت القصيدة التي
إن قرأوها كادوا يضلّون.
العائشة
من ديوان/ كأنها لم تخدش يوماً/