
شيلان
ليست شيلانُ ابنةَ الوردِ
فالوردُ أضيقُ من أن يحملَ سرَّها
ولا حكايةً نسجتها الجنياتُ
ثم تركنها على هامشِ الخيال
شيلانُ ابنةُ الأرضِ حين تُسرُّ بسرِّها
وابنةُ الماءِ حين يخفي في قاعِه
وجهًا لم تُفسدهُ المرايا
وابنةُ القمحِ حين يخرجُ من عتمةِ التراب
محمّلًا بوعدِ الحياة.
لم تأخذْ جمالَها من زينةٍ عابرة
فالزينةُ يطويها الوقت
وما تمنحهُ المرآةُ
تستردهُ السنون
أما شيلان
فكان جمالُها أقدمَ من المرآة
كأنّ اللهَ تركَ في ملامحِها
أثرًا من صباحٍ أول
صباحٍ لم تلمسهُ يدُ الزمن
تمضي بين المراعي
كأنّ التلالَ تحفظُ وقعَ خطاها
وتعرفُ دروبَ الماء
كما تعرفُ الأمُّ ملامحَ طفلِها
حتى في العتمة
تحلبُ الأغنامَ والماعز
وتحملُ نهارَها على كتفيها
دون أن تشكو ثقلَ الشمس
ففي يديها
كانت الحياةُ تبدو أكثرَ بساطة
وأكثرَ كرامة.
وحين تنحني على البئر
لا يبدو الماءُ صاعدًا من جوفِ الأرض
بل كأنّ الأرضَ نفسها
تفتحُ قلبَها
لتتأملَ وجهَ ابنتها.
يصعدُ الماءُ إليها
بذلك الشوقِ الغامض
الذي لا تعرفهُ الأشياء
إلا حين تجدُ ما يشبهُها
وحين تسقي القطيع
تميلُ الأعناقُ إليها
لا خوفًا
ولا طمعًا
بل بالفطرةِ ذاتها
التي تجعلُ العطشانَ
يعرفُ طريقَه إلى النبع
وفي الحقولِ الذهبية
كانت السنابلُ تصغي إلى مرورِها
فتتمايلُ لا لأنّ الريحَ مرّت
بل كأنّها تنحّي لها
تحيةَ الأرضِ لابنتها
كانت تمشي
فيزهرُ في الأشياءِ معنى خفيّ
وتصمتُ الحقولُ لحظةً
كأنها تستعيدُ من حضورِها
سرَّ خصوبتها الأول
وعند ظلِّ شجرةٍ عتيقة
كانت تبسطُ خبزَ الكدحِ
وحرارةَ النهار
فتجلسُ الأرواحُ حولها
قبل أن تجلسَ الأجساد
كان في يديها خبزٌ
لكن في قلبِها مأدبةٌ أخرى
شيءٌ من الطمأنينة
شيءٌ من الألفة
وشيءٌ من ذلك الأمانِ القديم
الذي فقدهُ الناس
حين صاروا يسكنونَ البيوت
ولا يسكنونَ بعضَهم
أما عيناها
فلم تكونا مجردَ عينين
كانتا نافذتين
تطلُّ منهما الينابيعُ على المساء
ويسكنُ فيهما
ذلك الصمتُ النبيل
الذي لا يحتاجُ إلى الكلام
في عيني شيلان
هدوءُ ماءٍ لم تمسسهُ يد
وظلُّ جبلٍ بعيد
وحزنٌ خفيف
كأنّها تعرفُ
منذ البدء
أنّ كلَّ جميلٍ
مكتوبٌ عليه أن يعبر
ولهذا
لم تبقَ شيلانُ امرأةً
في ذاكرةِ الذين عرفوها
فالزمنُ حين يعجزُ عن نسيانِ امرأة
يحوّلها إلى معنى
صارت شيلانُ في الأغاني
أبعدَ من الجمال
وأقربَ إلى الحقيقة
رمزًا لامرأةٍ
لم تصنعْها المرايا
بل صاغتها الأرض
وسقاها الماء
وأدّبتها الريح
وعلّمها القمحُ
أنّ الانحناءَ ليس ضعفًا
حين يكونُ من أجلِ الحياة
شيلان…
حين يُقالُ اسمُها
لا تستيقظُ صورةُ امرأةٍ فحسب
بل تستيقظُ قريةٌ كاملة
بآبارها
وتلالها
ومراعيها
ورائحةِ الخبزِ الخارجِ من النار
وصوتِ القطيعِ عند المساء
وخطواتِ النساءِ العائداتِ
من الحقول
وفي أيديهنَّ تعبُ النهار
كأنّ اسمَها
ذاكرةُ مكانٍ
رفضتْ أن تموت
ولهذا ظلّت شيلان
ابنةَ القمحِ والماءِ والريح
لا لأنّها وُلدتْ بينها فقط
بل لأنّ شيئًا من الأرض
وُلدَ فيها.
وحين تمرُّ في الأغنية
لا نسمعُ امرأةً تُغنّى
بل نسمعُ الأرضَ
وهي تتذكّر
كيف كان الجمالُ
قبل أن يتعلّمَ الإنسانُ
أن يضعَه أمام المرآة
ثم يبيعهُ للعابرين.
علي عمر / مصر