كتاب وشعراء

جرح وضمادة … هيثم الأمين / تونس

الغابة تحترق في الخلفيّةِ
وقد لا يأتي المطر قريبا
فعانقيني ولا تهتمّي لأسراب الكلمات الهاربة من شفتَيَّ
ولا للرّيح البارد الذي يهبُّ تحت قميصي
فرَجُلٌ، مثلي، يذهبُ إلى يومه وحيدا،
يقتحم الزّحام ويقف في الطّوابير
وحيدا،
ويلتقطُ صورا له مع الرّفاق
وحيدا
ثمّ يعود إلى فراغه وحيدا
ليس سوى جرح يحتاج لضمادةٍ على هيئتكِ…
الدّخان كثيف في الخلفيّةِ
وأنا رجلٌ أختَنِقُ بي
ويخنقني الطّبق الوحيدُ على الطّاولةِ
والكوب الوحيدُ والملعقةُ الوحيدةُ
ويخنقني الكرسيّ الفارغ على الضفّة الأخرى من الطّاولةِ
فعانقيني لأتنفّسْ؛
عانقيني وأنت تُطعمين جوز عينيكِ للسّناجب في عيوني
ولا ترتبكي من جوع القطط الضّالّة في أزقّة صدري
إن هي حاصرت حمامتَيْ صدركِ في زاويةِ المشهَدِ
فرجلٌ، مثلي، يسكنه الحزنُ والبردْ
قد يجوع وامرأة من حلوى
– كأنتِ –
تضمّدُهُ بعناقْ.
لا مطرَ سيأتي قريبا
وفي الخلفيّةِ، استسلمت الغابة للحريقْ
فعانقيني بلا سببٍ؛
عانقيني
كأنّني رجلٌ مهمٌّ عاد إليكِ من سفر طويلْ
أو كأنّني طفلٌ يكاد يموت من البردْ
وأنتِ معطف وثيرْ
فهل يحتاج معطف لتبرير ليُنقِذَ طفلا من البرد؟!
عانقيني
ليس لأنّك امرأةٌ متحرّرةٌ
تبادر بدعوة رجل شرقيّ للتّفّاحة الأولى
وليس لأنّك سفينة أنهكها موج البحرِ وصادفت ميناءْ
بل عانقيني
لأنّي رجلٌ من وطن يموت فيه الرّجال واقفين
ولا يتشاركون البكاءْ
وهذه الغابة، في الخلفيّة، احترقت بالكامل
وسماء عيوني لا بدّ لها أن تُمطرْ
لتولد غابة أخرى؛
لبس في الخلفيّة
إنّما في العناقْ
فأنا رجلٌ كالجرحِ
– يا سيّدتي –
إن نزف يحتاج لضمادة ودواءْ…
عانقيني،
ضمّيني أكثر إليكِ
لتجد الآيائل الهاربة من الغابة التي احترقت في الخلفيّةِ
ولأرانب والطّيورُ وجداول الماء الجافّةِ
طريقها إلى وطن لا يحترقْ؛
إلى غابة وُلدتْ
على ضفاف رجل كجرحْ
تضمّدهُ
امرأةٌ من سلامٍ
بعناقْ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى