رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب :إرهاب المستعمرين في الضفة الغربية: تطهير عرقي متدرّج برعاية الاحتلال وصمت دولي يشجّع على التمادي…

لم يعد إرهاب عصابات المستعمرين في الضفة الغربية المحتلة حوادث متفرقة أو اعتداءات معزولة، بل بات نمطاً منظماً من العنف يتكامل مع سياسات حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة وممارسات جيشها، في إطار مشروع استعماري يستهدف السيطرة على الأرض الفلسطينية، وتهجير سكانها قسراً، وتغيير واقعها الديمغرافي والجغرافي، وتقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

إن جرائم القتل والاعتداء على المزارعين والمتطوعين الأجانب، وسرقة ثمار الزيتون والمحاصيل، والاستيلاء على المواشي، وترويع التجمعات الفلسطينية، ليست مجرد اعتداءات على الأفراد والممتلكات؛ بل أدوات لاقتلاع الإنسان من أرضه وتجريده من مقومات البقاء عليها. وتؤدي المستعمرات والبؤر الرعوية دوراً متزايداً في فرض السيطرة على الأراضي المحيطة بالتجمعات الفلسطينية، وسط حماية جيش الاحتلال، وفي حالات من الاعتداء والمشاركة الميدانية، بما يكشف الترابط بين عنف المستعمرين وسياسات التوسع الاستيطاني والضم الفعلي.

### سياسة الاقتلاع وتقويض الدولة الفلسطينية

تكمن خطورة هذا التصعيد في أنه يتجاوز العنف الميداني إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة. فحين يصبح المزارع مهدداً في أرضه، والراعي مطارداً في مراعيه، والأسرة الفلسطينية محاصرة في مسكنها، تتحول الحياة اليومية إلى أداة ضغط تدفع السكان نحو الرحيل. وهكذا يتخذ التهجير القسري شكلاً تدريجياً، عبر تراكم الاعتداءات والتضييق ومصادرة الأراضي وحرمان السكان من الأمن وسبل العيش.

وفي هذا السياق، يكتسب وصف التطهير العرقي دلالته السياسية والحقوقية من استهداف الوجود الفلسطيني ودفع السكان إلى مغادرة أراضيهم ومساكنهم، وتغيير التركيبة السكانية بالقوة. فهذه الممارسات، في سياقها الأشمل، تخدم أهداف الضم والتهويد وتفتيت التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، وتضعف مقومات الدولة الفلسطينية المنشودة.

إن المعركة لا تدور حول مساحة أرض هنا أو بؤرة استيطانية هناك فحسب، بل حول حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه، وتقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية. ومن ثم، فإن مواجهة إرهاب المستعمرين ليست قضية أمنية محدودة، بل جزء من مواجهة مشروع يستهدف الأرض والإنسان والحقوق الوطنية الفلسطينية.

### مسؤولية قانونية دولية تستوجب المساءلة

من منظور القانون الدولي، يحظر القانون الدولي الإنساني نقل دولة الاحتلال سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، كما يحظر النقل القسري للسكان المحميين إلا في حالات استثنائية محددة وبالشروط التي يقررها القانون. وقد تشكل أعمال القتل المتعمد والتهجير غير المشروع والاضطهاد وغيرها من الأفعال، متى توافرت عناصرها القانونية، جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية تستوجب التحقيق والمساءلة.

وفي هذا الإطار، جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 ليؤكد عدم قانونية استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يرتبط به من سياسات وممارسات استيطانية، ويبين الالتزامات المترتبة على ذلك. وهو ما يعزز ضرورة الانتقال من التعامل مع الانتهاكات بوصفها وقائع منفصلة إلى معالجتها في إطارها القانوني والسياسي الأشمل.

وتتطلب المساءلة تحرك الجهات الدولية المختصة، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية فيما يدخل ضمن اختصاصها من جرائم وأشخاص، مع مواصلة توثيق الاعتداءات وحفظ الأدلة والتحقيق فيها وفق الأصول القانونية. أما محكمة العدل الدولية، فتضطلع باختصاص مختلف يتعلق بالمنازعات القانونية بين الدول وبإصدار الآراء الاستشارية وفق القواعد المنظمة لعملها.

ولا تقتصر المسؤولية على مرتكبي الجرائم المباشرين؛ بل يتعين التحقيق في أدوار كل من يحرّض عليها أو يسهّلها أو يوفر الحماية لها، وفق الأدلة والقواعد القانونية المنطبقة. كما تقع على الدول مسؤولية احترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه، بما يقتضي اتخاذ تدابير فعلية، لا الاكتفاء بالإدانة اللفظية.

### من الإدانة الدولية إلى إجراءات رادعة

لقد كشف استمرار الاعتداءات، رغم البيانات والتحذيرات الدولية، عن فجوة خطيرة بين المواقف المعلنة والقدرة على توفير الحماية الفعلية للفلسطينيين. فالإدانة التي لا تتبعها إجراءات رادعة لا توقف الاستيطان، ولا تمنع التهجير، ولا تضع حداً لاعتداءات المستعمرين؛ بل إن غياب المحاسبة يكرّس الإفلات من العقاب ويشجع على التمادي.

وعليه، فإن المطلوب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول المؤثرة والبرلمانات الإقليمية والدولية الانتقال إلى خطوات عملية تشمل فرض تدابير وعقوبات مستهدفة على المسؤولين عن الاعتداءات، وتفعيل آليات الرصد والتوثيق، ودعم التحقيقات والمساءلة الدولية، وضمان الحماية العاجلة للمدنيين الفلسطينيين، والضغط لوقف الاستيطان والضم والتهجير القسري، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

كما أن حماية التجمعات الفلسطينية المهددة، ولا سيما في المناطق الريفية والرعوية، تتطلب إجراءات ميدانية فعالة تضمن سلامة السكان وممتلكاتهم، وتحول دون استخدام العنف وسيلةً لفرض وقائع جديدة على الأرض. فالحماية الحقيقية لا تتحقق بتسجيل الانتهاكات بعد وقوعها فحسب، بل بمنعها ومحاسبة مرتكبيها وضمان عدم تكرارها.

إن حماية الفلسطينيين في الضفة الغربية ليست شأناً إنسانياً طارئاً أو مطلباً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية ترتبط مباشرة بمستقبل السلام والاستقرار في المنطقة. فلا سلام مستداماً مع إرهاب المستعمرين، ولا أمن حقيقياً مع مصادرة الأرض واقتلاع سكانها، ولا تسوية عادلة يمكن أن تنجح بينما تتواصل سياسات الضم والاستيطان والتهجير من دون مساءلة.

إن وقف إرهاب المستعمرين ومحاسبة المسؤولين عنه، وإنهاء الاحتلال والاستيطان، وصون حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس الشرقية، ليست مطالب قابلة للمساومة أو التأجيل، بل استحقاقات سياسية وقانونية لا غنى عنها لتحقيق سلام عادل ودائم.

إن الاختبار الحقيقي لجدية المجتمع الدولي لا يكمن في عدد بيانات الإدانة التي يصدرها، بل في قدرته على وقف الجرائم، وحماية الشعب الفلسطيني، وإنفاذ القانون على الجميع دون ازدواجية أو انتقائية. فحين يتحول القانون من نصوص معلنة إلى إجراءات نافذة، تصبح حماية الإنسان والأرض ممكنة، ويغدو السلام العادل أكثر من مجرد وعد مؤجل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى