رؤي ومقالات

علي أبو حبلة يكتب:طولكرم «بنعمّرها».. إرادة الحياة أقوى من التحديات

في طولكرم، حيث تتراكم التحديات الاقتصادية والمعيشية، وتثقل القيود المفروضة على الحركة كاهل المواطنين والتجار وأصحاب المنشآت، تبقى إرادة الحياة أقوى من كل الظروف، ويبقى التمسك بالأرض والعمل والإنتاج عنواناً أصيلاً لصمود أبناء هذه المدينة. ومن هنا، يكتسب مهرجان طولكرم الرابع للتسوق «بنعمّرها 2»، المقرر إقامته من 12 إلى 15 تشرين الأول الجاري في جامعة فلسطين التقنية – خضوري، أهمية تتجاوز حدود التسوق والعروض التجارية، ليصبح مساحة للأمل، ورسالة وفاء لمدينة تستحق الحياة، وفرصة لتجديد الثقة بقدرة مجتمعها على النهوض.

إن تنظيم مهرجان في ظل هذه الظروف ليس أمراً عابراً، بل يعكس إرادة المؤسسات والفعاليات الاقتصادية والمجتمعية في عدم الاستسلام لواقع الأزمة، والبحث عن منافذ عملية لدعم الأسواق المحلية، وتشجيع المنتج الوطني، ومساندة أصحاب المشاريع والشركات والمطاعم والمنشآت التجارية التي تواجه ظروفاً استثنائية. فحين تتراجع الحركة التجارية وتغلق بعض المحال أبوابها تحت ضغط الأعباء الاقتصادية، تصبح المبادرات التي تعيد جمع الناس حول العمل والإنتاج خطوة تستحق التشجيع والمساندة.

إن شعار «بنعمّرها» يحمل دلالة وطنية وإنسانية عميقة؛ فالإعمار لا يبدأ بالحجر وحده، بل يبدأ بالإنسان، وبقدرته على الصمود والعمل، وبإيمانه بأن مدينته تستحق أن تبقى نابضة بالحياة. وطولكرم، بتاريخها ومكانتها وأهلها، ليست مجرد سوق تجارية، بل مدينة العلم والعمل والعطاء، التي اعتادت أن تواجه المحن بالتكافل والتعاون والتمسك بالأمل.

ومن واجبنا جميعاً أن ننظر إلى المهرجان باعتباره فرصة لدعم الاقتصاد المحلي، وتشجيع المواطنين على التسوق من المنشآت الوطنية، والتعريف بالمنتجات الفلسطينية، وإتاحة المجال أمام الشركات والمشروعات الصغيرة للوصول إلى جمهور أوسع. فكل عملية شراء من منتج محلي، وكل مساندة لمحل تجاري أو مطعم أو مشروع صغير، يمكن أن تسهم في دعم استمرار العمل والحفاظ على فرص الرزق، ضمن ما تسمح به الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولا بد هنا من الإشادة بجهود الجهات المنظمة والشريكة، وفي مقدمتها غرفة تجارة وصناعة وزراعة طولكرم، وشبكة الفجر الإعلامية، وجامعة فلسطين التقنية – خضوري، وسائر المؤسسات والفعاليات التي تعمل على إنجاح هذه المبادرة. فالتعاون بين القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية والمجتمعية يمثل نموذجاً مهماً للشراكة التي تحتاج إليها المحافظة في هذه المرحلة، ويؤكد أن العمل الجماعي قادر على فتح نوافذ جديدة أمام المبادرات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي المقابل، فإن إنجاح المهرجان مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق المنظمين وحدهم. فالجهات الرسمية المختصة مدعوة إلى بذل كل جهد ممكن لتسهيل وصول المواطنين من القرى والبلدات المجاورة، ومتابعة المعيقات التي تحد من حركة المواطنين والتجار والبضائع، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتوفير أفضل الظروف الممكنة لانعقاد الفعاليات. كما أن وسائل الإعلام مطالبة بمواصلة الترويج للمهرجان وإبراز أهدافه، فيما يقع على عاتق المجتمع المحلي دور مهم في المشاركة والتفاعل ودعم المبادرات التي تسعى إلى تحريك عجلة الاقتصاد.

إن الظروف التي تعيشها طولكرم لا ينبغي أن تكون سبباً للتراجع عن المبادرات الإيجابية، بل حافزاً لمضاعفة الجهود وتوحيد الطاقات. فالصمود لا يعني الاكتفاء بتحمل المعاناة، وإنما يعني أيضاً ابتكار الوسائل التي تحافظ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتمنح المواطنين فرصة للعمل والإنتاج، وتساعد أصحاب المنشآت على الاستمرار رغم الصعوبات.

ومع أهمية الأيام الأربعة للمهرجان، فإن الأمل أن تكون هذه الفعالية بداية لجهد متواصل، يتجاوز حدود المناسبة إلى برنامج أوسع لدعم الأسواق والمنشآت المتضررة، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتعزيز فرص التشغيل، وإعادة الحيوية إلى شوارع المدينة وأسواقها. فطولكرم تحتاج إلى مبادرات متتابعة وشراكات فاعلة، وإلى دعم مؤسسي يترجم التضامن معها إلى إجراءات ملموسة.

إن طولكرم تستحق أن نفرح بها، وأن ندعم أسواقها، وأن نقف إلى جانب أهلها وتجارها ومنتجيها. ومهرجان «بنعمّرها» مناسبة لتجديد هذه المسؤولية، والتأكيد أن إرادة الحياة والعمل والصمود ستبقى حاضرة مهما اشتدت التحديات.

فلنجعل من المهرجان مساحة للقاء والتكافل ودعم المنتج الوطني، ولتكن المشاركة فيه تعبيراً عملياً عن الانتماء إلى المدينة وأهلها. فطولكرم لا تُعمّر بالانتظار، بل بالعمل والتعاون والإرادة، وبجهود كل من يؤمن بأن هذه المدينة تستحق مستقبلاً أفضل.

طولكرم باقية بأهلها، قوية بإرادتهم، وقادرة على النهوض بتكاتفهم. و«بنعمّرها» ليست مجرد شعار لمهرجان، بل رسالة أمل بأن الحياة تستمر، وأن الصمود يتحول إلى إنجاز حين تتوحد الجهود وتلتقي الإرادة بالفعل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى