
تشهد العلاقات الإسبانية -المغربية توترًا جديدًا على خلفية موجة الهجرة غير الشرعية نحو مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للإحتلال الإسباني في نهاية يوليو/تموز العام 2026، حين عبر نحو 80 ألف شخص من المغرب إلى مدينة سبتة عبر البحر والحدود البرية وكانت غالبيتهم من المغاربة الذين عادوا سريعا، لكنّ آلافا غيرهم لا يزالون في المدينة الساحلية ويحاول المهاجرون من المغرب ودول أفريقيا جنوب الصحراء بشكل منتظم عبور السياج الحدودي المحيط بسبتة ومليلية، حيث يرون المدينتين بمثابة بوابتين للوصول إلى البر الرئيسي لأوروبا.
غير أنَّ التصعيد في العلاقات الإسبانية-المغربية ، يجد خلفيته أساساً في الموقف من ملف الصحراء المغربية، وليس في العبور غير القانوني لآلاف المغاربية نحو سبتة ومليلة ، إذْ صادق مجلس النواب الإسباني، في 10 أيلول/سبتمبر 2026، على قانون يتيح لمن ولدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، قبل سنة 1977، ولأبنائهم، اكتساب الجنسية الإسبانية وفق الشروط المحددة في النص. ويقدر عدد المستفيدين المباشرين المحتملين بأكثر من 70 ألفاً.
إسبانيا ومفهوم “الشعب الصحراوي”
يُعَدُّ منح إسبانيا الجنسية للصحراويين للذين ولدوا خلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية للصحراء الغربية ، مقدمة لتصور وجود جماعة سياسية منفصلة عن الدولة المغربية، اسمها “الشعب الصحراوي”، وتوظيفًا لوجود قومية مفترضة، باعتبارها حقيقة تاريخية ثابتة. لقد تشكلت حول سكان الصحراء، خلال الحقبة الاستعمارية، سرديات وتصنيفات جديدة. وتكتسب دراسة الأرشيف الإسباني أهمية خاصة في فهم هذه العملية، كما تبرز أعمال باحثين مغاربة، من بينهم رحال بوبريك، في تحليل كيفية إنتاج المجتمع الصحراوي وتمثيله داخل الخطاب الاستعماري.
في هذا السياق يشير الخبراء و المخللون المغاربة إلى الدور الذي قامت به مجلة África: revista de tropas coloniales، التي تأسست سنة 1924 واستمرت لاحقاً بأشكال مختلفة إلى سنة 1978، والتي كانت جزءاً من منظومة النشر والدراسات المرتبطة بالمؤسسة الاستعمارية الإسبانية؛ وتوثق المكتبة الوطنية الإسبانية نفسها ارتباطها بتاريخ القوات الاستعمارية والدراسات الإسبانية الإفريقية. وكانت ذراعاً إيديولوجية ساهمت في محاولة خلق هوية متخيلة لأهل الصحراء مفصولة الواقع التاريخي.
تقع الصحراء الغربية، في شمال غرب إفريقيا ، و تبلغ مساحتها 284 ألف كيلومتر مربع ، يحدها من الشمال المغرب ، و من الشــرق الجزائر، و من الجنوب والجنوب الشرقي موريتانيا و من الغرب المحيط الأطلسي .و تتكون من إقليمين متمايزين : الساقية الحمراء في الشمال ووادي الذهب في الجنوب . استعمرت الصحراء الغربية من جانب إسبانيا عام 1884 و حدودها الموروثة عن الحقبة الاستعمارية محددة بالاتفاقات المبرمة بين باريس و مدريد ما بين 1886 و 1943 .
تحتوي الصحراء الغربية على ثروات طبيعية مهمة جداً . ففي عام 1974 اكتشف الجيولوجي الإسباني ، مانويل الياس مدينا مناجم الفوسفات في منطقة بوكراع الواقعة جنوب شرق مدينة العيون ، و يقدر احتياطي هذه المنطقة بأكثر من 10 مليارات طن من الفوسفات ، ونقاوته تتراوح ما بين 70% و80%، . كما توجد فيها ثروات معدنية وباطنية مهمة : بينها النفط و الذهب و الفضة و اليورانيوم و الحديد و النحاس و القصدير ، و أهم ثروة سمكية موجودة على الكرة الأرضية ، إذ تمتد مساحتها لتشكل 150 الف كيلو متر مربع و تضم أكثر من 150 نوعاً بحرياً ، ما بين رخويات و حيتان و قشريات الخ .
قد يصعب إعطاء رقم دقيق لعدد سكان الصحراء الغربية، نتيجة التضارب في الإحصاءات المقدمة، ولكن التعداد السكاني الأقرب إلى الدقة هو ماقامت به الحكومة الإسبانية في عام 1958، بوصفها البلد المستعمر لهذا الإقليم، إذ إنَّ عدد السكان الإجمالي هو 73497 من المقيمين في الصحراء.و لم يشكل البدو الرحل و المجموعات القبلية التي سكنت الصحراء الغربية قط دولة على مر التاريخ ، و كانت تتحكم فيهم النعرات و الصراعات القبلية .
و في الفترة الفاصلة بين 1953-1956 أي فترة الكفاح الوطني التحرري من أجل استقلال المغرب ، انخرط آلاف الصحراويين في جيش التحرير المغربي ، باعتبارهم مواطنين مغاربة ،و كانوا يطمحون بعد استقلال المغرب عام 1956 ، إلى استمرار الكفاح الوطني لتحرير المناطق الثلاث الواقعة جنوب المغرب أو التي ظلت خاضعة تحت الاستعمار الإسباني ( افني ، و ترفايا و الصحراء الغربية ). و في عام 1963 ، أدخلت اللجنة الخاصة لإزالة الاستعمار التابعة للأمم المتحدة الصحراء الغربية ضمن الأراضي الإقليمية التي يجب إجلاء الاستعمار عنها بناء على طلب المغرب .
من هنا نسوق الملاحظتين التاريخيتين :
الأولى: إن الإمبراطورية في المغرب كانت تحكمها سلطة مركزية، باعتبار وجود هذه السلطة السياسية ممثلة في حكم السلطان ، هي الحامية لوحدتها الترابية. و من المعروف تاريخيًا أن معظم البلدان الأوروبية كانت تتعامل مع هذا السلطان أو ذاك في المغرب، بغض النظر عن علاقة سلطة السلطان بأقاليمه، و كيفية إدارتها.
غير أن التنافس الاستعماري الأوروبي على تقسيم العالم ، لاسيما للقارة العذراء إفريقيا، جعل الصراع الاستعماري بين فرنسا و إسبانيا يتمحور حول المغرب، و انتهى في المحطة النهائية على تقسيم الإمبراطورية إلى مناطق نفوذ فرنسية و إسبانية، كان نصيب إسبانيا منها استعمارها للصحراء الغربية، و بسط نفوذها عليها، حتى تاريخ إبرام اتفاقية مدريد الثلاثية في عام 1975.
الثانية: إن ماهو ثابت في التاريخ ، أن سكان الصحراء الذين تتحكم فيهم البنية القبلية، ليس ثمة مجال للشك في أصلهم و إنتمائهم إلى الإمبراطورية التي كانت تقام في المغرب، و هم موحدون تاريخيًا معها عبر مختلف المراحل التي مرت بها. و حتى هذه القبائل التي اشتهرت بقساوتها، بوصفها قبائل حربية، لم تشكل كيانًا قائمًا بذاته، خاصًا بها،الأمر الذي ينفي قطعيًا قيام أي سلطة سياسية مستقلة في هذا الإقليم.
إذا كانت حدة الفعل و العنف الاستعماري الغربي ، قد تركا أثراً أساسياً في تقسيم وتفتيت الكيان الموحد للمغرب، جغرافيًا و سكانيًا، فإنه يعد من باب التكيف و الخضوع لواقع التقسيم الكولونيالي البغيض، أن تبحث جبهة البوليساريو و من ورائها الجزائر عن هوية جديدة و خلق كيانية مصطنعة، ليست لها أية مقومات.. محاولة بذلك نفي التاريخ المادي السابق، كي تنطلق في البحث عن الكيانية و الهوية ، في تاريخ الاستعمار الغربي و الفعل الإمبريالي الراهن، اللذين أفرزا تناقضات أساسية: التجزئة، والقطرية، والإقليمية،والتبعية، والتخلف، والكيان الصهيوني، و الطائفية ..الخ أصبحت مستحكمة في صراع الأمة العربية مع معسكر أعدائها ، لتحقيق وحدتها السياسية، و استقلالها ،و تقدمها.
من الملاحظ ، أن وضع قضية الصحراء في نطاق تاريخي معين ، تستوجبه المنهجية العلمية، وكذلك طبيعة المسألة القومية ، و حركة الوحدة في عالمنا العربي.لأنه إذا كانت الصحراء تميزت ببقاء الاستعمار الإسباني في حدود حقبة تاريخية ،حيث حصلت باقي بلدان المغرب العربي على “استقلالها السياسي”، لا يدفع الوضع هذا، أن تعالج قضية الصحراء من قبل جبهة البوليساريو ، باعتبارها موضوع تحرير أرض عربية، بعزلة تامة، وخارج سياق الحركة القومية الديمقراطية العربية،التي تناضل في سبيل تحقيق الحقوق الخاصة للأمة العربية، في التحرير ، و الحرية السياسية، و الوحدة، و النهضة الاقتصاديـة و الثقافية.
المقايضة بين مغربية الصحراء و التطبيع مع الكيان الصهيوني
في فلسفة نظام العرش المغربي منذ حكم الملك الراحل الحسن الثاني ، واستمرارٍ مع ابنه الحالي الملك محمد السادس، تُعَدُّ قضية الصحراء الغربية القضية الوطنية الأولى في المغرب ،وهي أكبر من قضية القدس و فلسطين، حتى وإن ادَّعَتْ العائلة المالكة في المغرب أنَّها”حارسةُ الأماكن المقدسة في القدس”،وكون العاهل المغربي يرأس لجنة القدس.
ففي الوقت الذي يعمل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنتهية ولايته على تصفية القضية الفلسطينية عبر ما يسمى”صفقة القرن”، ويعمل فيه الكيان الصهيوني على تصعيد سياسة الاستيطان في كامل الضمة الغربية، تمهيدًا لضمها، وانتهاك كل حقوق الشعب الفلسطيني،أقدم العاهل المغربي محمد السادس على ارتكاب خطيئة تاريخية،من خلال تطبيع المغرب علاقاته مع الكيان الصهيوني، مقابل اعتراف أمريكى بمغربية الصحراء.
وثمن العاهل المغربي يوم الخميس 10ديسمبر/كانون الأول 2020الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس ترامب، وتعهد “باستئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أقرب الآجال”، كما ورد في بيان للوكالة المغربية للأنباء.وبإعلان ترامب، يكون المغرب رابع دولة عربية تطبع علاقاتها مع الكيان الصهيوني في غضون الأربعة أشهر الماضية، بعد خطوة مماثلة من الإمارات والبحرين والسودان.
وقال الملك محمد السادس، مساء الخميس 10ديسمبر2020، إن موقفه الداعم للقضية الفلسطينية “ثابت لا يتغير”، وإن عمل بلاده من أجل “ترسيخ مغربية الصحراء لن يكون أبدا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة”.وأوضح العاهل المغربي، في اتصال هاتفي جمعه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، بالتزامن مع إعلان الرباط عن “استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أقرب الآجال، والعمل على إعادة فتح مكاتب للاتصال في البلدين”، أن “المغرب مع حل الدولتين”، وأن “المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع”.
خطيئة المغرب بـ”مقايضة” الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء بالتطبيع مع إسرائيل
لقد فضل الملك محمد السادس عملية مقايضة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي جاء بعد عام من المفاوضات السرية الحثيثة التي شارك فيها على نحو خاص بدور بارز كلّ من صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنروالمستشار الخاص للعاهل المغربي من أصل يهودي أندريه أزولاي، واللذين كانا، بحسب مصادر مغربية وإسرائيلية تحدثت لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، الصادرة يوم الجمعة 11ديسمبر2020، “ضالعين بشكل عميق وبسرية تامة في تخطيط العلاقات، وساعدا في بلورة الاتفاق”.
لكنَّ الأمر لم يقتصر عليهم، فقد لعب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي تملك أسرته قصور اصطياف فاخرة في الرباط، هو الآخر دوراً، من خلال محادثات مع العاهل المغربي، وأثّر على ما يبدو على القرار المغربي لجهة استئناف العلاقات مع الكيان الصهيوني.
وبحسب مستشار في القصر الملكي في المغرب، وفق ما تفيد الصحيفة الإسرائيلية ، يبدو “أن لولي العهد السعودي قائمة من الدول العربية والإسلامية الأخرى، مثل إندونيسيا وجيبوتي ومالي وباكستان،التي ستقيم علاقات مع إسرائيل”، وبعد أن “تكتمل الدائرة، ويتحقق تقارب حقيقي مع إسرائيل، ستعلن السعودية عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل”.
المبادرة الأمريكية للمصالحة بين المغرب و الجزائر
اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ختام ولايته الأولى سنة 2020، بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية، داعمًا بذلك الحكم الذاتي الذي ينادي به، وتزامن هذا الاعتراف مع التوقيع على اتفاقات تطبيع بين أربع دول عربية: الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، و الكيان الصهيوني، الذي اعترف هو أيضًا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، حيث أنَّ العلاقات مع المغرب لها دلالة رمزية كبيرة لدى “إسرائيل”؛ لأنَّ المغرب البلد الأصلي لواحدة من أكبر الجاليات اليهودية(حوالي 700000يهودي مغربي) وأكثرها نفوذًا.
وتُوّج هذا المسار في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 باعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 الذي يؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربيةـ بوصفه المرجعية المركزية في الجهود الرامية إلى تسوية هذا النزاع المستمر منذ أكثر من خمسة عقود.وشكّل ذلك التطور -وفقا لصحيفة “إل كونفيدينسيال” الإسبانية – مكسبًا دبلوماسيًا بارزًا للمغرب، كما اعتُبر نجاحًا للحليف الأمريكي الذي أبدى انخراطًا لافتًا ونشاطًا مكثفًا في إدارة هذا الملف.
صلح ويستفاليا مغربية -جزائرية:
فالمقصود ﺑـ”صلح ويستفاليا” أو “معاهدة ويستفاليا”، هو الاتفاق بين “دول أوروبا” ومقاطعاتها المختلفة، لوضع حدّ للاقتتال، حيث توصّل الفرقاء بعد قتال دام ثلاثين عامًا Thirty years War إلى توقيع اتفاق في العام 1648، وحرب الثلاثين عامًا هي سلسلة حروب وصراعات دموية وقعت معاركها ابتداءً من أوروبا الوسطى (1618 – 1648)، وخصوصًا في ألمانيا، وامتدّت إلى أراضي روسيا وإنكلترا وكاتالونيا “إسبانيا” وشمال إيطاليا وفرنسا، وهي حروب دينية وطائفية بالدرجة الأولى بين طائفتي البروتستانت والكاثوليك.
ولكلّ ما تقدّم تصبح الدعوة إلى إقامة وفاقٍ تاريخيٍّ بين المغرب و الجزائر، ضرورة واختيار في الآن، وهنا لا بدّ من البدء بالحوار والإيمان به طريقًا لحلّ المشكلات بصورة سلمية، على الصعيد الإقليمي. فقد بات على شعوب إقليم المغرب العربي، إمَّا أن تتكيف على العيش في ظل الإقطاع الإستبدادي الجديد أي في ظل نظام العبودية الأمريكي-الصهيوني، أو إيجادِ أطُرٍ جديدةٍ للتعاون وإعادة صياغة العلاقات في المنطقة بين الدول الغاربية ، وتقديمِ مقاربةٍ جديدةٍ للأمن الإقليمي.
وإذا كانت الانقسامات بين المغرب و الجزائر بسبب موضوع الصحراء عنيفة وقاسية في الماضي، فإنّها لا تقّل عنفًا وقساوةً في التاريخ المعاصر، فبين هذين البلدين العربيّين، كانت مجرد اختلافات حدودية أو سياسية، تؤدي إلى حروبٍ وقطيعةٍ وكراهيةٍ، بينهما.
بيد أنَّ حلَّ قضية الصحراء الغربية بالطريقة الراديكالية يتمثل في إقامة التطبيع الكامل بين الجزائر و المغرب، وبالتالي تحقيق بناء الصرح الوحدوي المغاربي، الذي يحتاج بدوره إلى ثورةٍ حقيقيةٍ: قوامها تحول الأنظمة المغاربية القائمة الآن إلى أنظمةٍ ديمقراطيةٍ فعليًا، وبالتالي تَخَلِّيهَا عن احتكارِ الوطنيةِ والقبولِ بنقاشٍ حرٍّ وعلنيٍّ حول القضايا التي تعوق بناء الاتحاد المغاربي هذا داخل الهيئات الوطنية المنتخبة بصورةٍ ديموقراطيةٍ.فهل إنَّ الجزائر والمغرب مستعدان لإقامة صلح ويستفاليا بينهما، و حلِّ هذا النزاع الإقليمي وفق رؤية مغاربية وحدوية شاملة؟
خاتمة:
بعد أنْ شُطرت بلادُ العرب بمُستوطنة أوروبّيّة، هي “إسرائيل” منذ عام 1948، وبعد هزيمة المشروع القومي العربي بشقيه الناصري والبعثي أمام المشروع الإمبريالي الأمريكي والمشروع الصهيوني، تعمل الإمبريالية الأمريكية، والكيان الصهيوني، على تفجير الصراعات الطائفية و المذهبية و العرقية في كل العالم العربي والإسلامي من أجل تقسيمه إلى دويلات طائفية وعرقية، مستندة في ذلك إلى مشروع برنارد لويس الذي نظّر إلى تقسيم البلدان العربية إلى 41 كيانًا أثنيًا ودينيًا وطائفيًا وسلاليًا وغيرها، وذلك في العام 1979، والذي تبناه الكونغرس الأمريكي في جلسة سريّة في العام 1983، واعتمده كخلفية مرجعية للاستراتيجية الأمريكية، والهدف منه إضاعة ملامح الهويّة العروبية بصعود الهويّات المصغرّة للمكرو دويلة، التي يُراد لها أن تتكرّس في الواقع العربي، لاسيّما بدفع شعوب وبلدان المنطقة إلى الاقتتال والاحتراب الداخلي والإقليمي، ليأتي لاحقًا مخطط التقسيم والتشظي لحصد النتائج.
ويعتبر لويس، أنّ العرب والمسلمين قومٌ فاسدون ومفسدون وفوضويون، ولا يمكن تحضّرهم، وإذا تركوا لحالهم، فسوف يداهمون العالم المتحضّر بموجاتٍ بشريةٍ هائلةٍ تدمّر الحضارات وتقوّض المجتمعات. الحلّ حسب رأيه هو في احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية، وإذا ما قامت واشنطن بهذا الدور فعليها أخذ التجربتين البريطانية والفرنسية بنظر الاعتبار، وعدم الوقوع في ذات الأخطاء التي وقعتا فيها.