رؤي ومقالات

علي أبو حبلة يكتب :احموا أبناءكم من التطرف والانحراف الأخلاقي والاجتماعي… الأسرة خط الدفاع الأول

في عصر التحول الرقمي المتسارع، لم تعد مسؤولية الأسرة تقتصر على توفير احتياجات الأبناء المعيشية والتعليمية، بل امتدت لتشمل حمايتهم من المخاطر الفكرية والأخلاقية والاجتماعية التي قد يتعرضون لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. فهذه الوسائل، على ما توفره من فرص واسعة للمعرفة والتواصل والانفتاح، تحمل في الوقت ذاته تحديات متزايدة، في ظل انتشار المحتوى المضلل والتحريضي، وبعض المواقع والحسابات التي تروّج للكراهية والتعصب، أو تستغل فضول الأطفال والشباب للتأثير في سلوكهم وتوجهاتهم، بما قد يتعارض مع القيم الأخلاقية والإنسانية ومبادئ المسؤولية الاجتماعية.

إن حماية الأبناء من التطرف والتعصب، ومن المحتوى الذي يشجع على الانحلال الأخلاقي أو يستخف بكرامة الإنسان وحقوق الآخرين، أصبحت مسؤولية تربوية ومجتمعية لا تحتمل الإهمال أو الاستخفاف. فالعالم الرقمي مفتوح على محتويات متباينة، منها ما يعزز المعرفة والإبداع، ومنها ما يستهدف إثارة الغرائز، وتطبيع السلوكيات المؤذية، ونشر الإساءة والتنمر والاستغلال، أو إضعاف قدرة الناشئة على التمييز بين الحرية المسؤولة والسلوك الضار.

الأسرة هي خط الدفاع الأول، والوعي هو وسيلة الحماية الأهم. ومن هنا تبرز ضرورة أن يكون الآباء والأمهات حاضرين في الحياة الرقمية لأبنائهم، وأن يتابعوا، بوعي وتوازن، طبيعة المواقع التي يزورونها، والحسابات التي يتابعونها، والمجموعات التي يشاركون فيها، والمحتوى الذي يتفاعلون معه. ولا تعني هذه المتابعة انتهاك الخصوصية أو فرض الرقابة القائمة على الشك، بل تعني ممارسة المسؤولية الأبوية بصورة واعية تتناسب مع أعمار الأبناء ومستوى نضجهم، وتجمع بين الحماية والثقة والحوار.

من الرقابة إلى بناء الوعي

إن الاقتصار على المنع والعقاب لا يكفي لحماية الأبناء، بل قد يدفع بعضهم إلى إخفاء سلوكياتهم أو البحث عن مساحات رقمية بعيدة عن توجيه الأسرة. لذلك، فإن النهج الأكثر فاعلية يقوم على الحوار الصريح، وتعزيز الثقة المتبادلة، وشرح المخاطر بلغة يفهمها الأبناء، وتشجيعهم على اللجوء إلى والديهم عند التعرض لمحتوى مسيء أو تحريضي أو عند محاولة استدراجهم إلى علاقات أو مجموعات مشبوهة.

ومن الضروري توعية الأبناء بمخاطر المواقع والحسابات التي تستهدف استغلالهم أخلاقياً أو اجتماعياً، أو تدفعهم إلى سلوكيات مؤذية، أو تحرضهم على الكراهية والعنف، أو تستدرجهم إلى مشاركة صورهم وبياناتهم الشخصية بطرق قد تعرضهم للابتزاز أو الإساءة. كما ينبغي تعريفهم بآليات الإبلاغ عن المحتوى الضار، وحظر الحسابات المسيئة، وطلب المساعدة من أشخاص موثوقين عند الشعور بالتهديد أو الضغط.

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية وإعدادات الخصوصية والحماية المتاحة على الأجهزة والمنصات، مع وضع قواعد واضحة للاستخدام، وتحديد أوقات مناسبة للشاشات، ومراجعة هذه القواعد بما يتلاءم مع عمر الأبناء واحتياجاتهم. فالغاية ليست عزل الأطفال عن التكنولوجيا، وإنما تمكينهم من استخدامها بصورة آمنة ومسؤولة.

حماية القيم دون مصادرة الوعي

إن الدفاع عن القيم الأخلاقية والإنسانية لا يتعارض مع الانفتاح على المعرفة أو احترام حرية التفكير، بل يتطلب بناء شخصية متوازنة تدرك أن الحرية مسؤولية، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن احترام الكرامة الإنسانية أساس للتعامل بين الناس.

وعلى الأسرة أن تشرح لأبنائها الفرق بين حرية التعبير والتحريض، وبين الاختلاف الفكري والتعصب، وبين الاستخدام المسؤول للإنترنت والممارسات التي تنطوي على استغلال أو ابتزاز أو انتهاك لخصوصية الآخرين. كما ينبغي توعيتهم بأن بعض الحسابات قد تتعمد تقديم محتوى صادم أو مضلل لجذب المتابعين، أو تستخدم خطاباً عاطفياً متطرفاً لاستقطاب الشباب والتأثير في قناعاتهم.

ولا يجوز، في المقابل، التعامل مع كل اختلاف في الرأي أو كل محتوى غير مألوف باعتباره دليلاً على الانحراف أو التطرف؛ فالحماية الحقيقية تقوم على التمييز الموضوعي بين حرية التفكير والسلوك الضار، وبين النقد المشروع والتحريض على الكراهية والعنف، بعيداً عن التعميم والاتهام غير المبرر.

مسؤولية تتجاوز حدود المنزل

إن مواجهة هذه التحديات لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل تتطلب شراكة متكاملة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية والجهات المختصة. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بتعزيز الثقافة الرقمية والتفكير النقدي، ووسائل الإعلام مطالبة بنشر الوعي والتحذير من مخاطر الاستغلال والتضليل، كما تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية تطبيق سياساتها المتعلقة بحماية القاصرين ومكافحة المحتوى الضار، وفق القوانين والضوابط المعمول بها.

ومن المهم كذلك توفير بيئة اجتماعية صحية للأبناء، تشجعهم على القراءة والرياضة والعمل التطوعي والمشاركة الثقافية، وتمنحهم فرصاً للتعبير عن أنفسهم وتنمية مواهبهم وبناء علاقات اجتماعية إيجابية. فالشاب الذي يجد الاهتمام والتقدير والاحتواء داخل أسرته ومجتمعه يكون أكثر قدرة على مواجهة محاولات الاستغلال والاستقطاب.

كما أن ملاحظة التغيرات السلوكية المفاجئة، أو الانعزال الحاد، أو تكرار الخطاب القائم على الكراهية أو تبرير إيذاء الآخرين، تستدعي الحوار والتقييم المتزن، لا التسرع في إصدار الأحكام. وعند وجود مؤشرات جدية على تعرض الأبناء للابتزاز أو الاستغلال أو التحريض على العنف، ينبغي طلب المساعدة المناسبة والتعامل مع الأمر عبر القنوات المختصة وبما يحفظ سلامة الأبناء وحقوقهم.

كلمة أخيرة

إن أبناءنا أمانة في أعناقنا، وحمايتهم مسؤولية أخلاقية وتربوية ووطنية. فلا تتركوهم وحدهم في مواجهة فضاء رقمي تتداخل فيه المعرفة مع التضليل، والتواصل مع الاستغلال، وحرية التعبير مع محاولات التحريض والتأثير السلبي.

كونوا خير معين لأبنائكم، وامنحوهم الثقة والمعرفة والقدوة الحسنة، وتابعوا حياتهم الرقمية بمسؤولية، وحذّروهم من المواقع والحسابات التي تروّج للتطرف والتعصب والكراهية، أو تستهدف القيم الأخلاقية والإنسانية، أو تسعى إلى استغلالهم والإضرار بمستقبلهم.

إن تحصين الأبناء لا يتحقق بالخوف وحده، ولا بالمنع المجرد، بل بالتربية الواعية والحوار المستمر، وبناء الشخصية القادرة على التمييز واتخاذ القرار السليم.

احموا أبناءكم بالحب، وصونوا قيمهم بالوعي، وكونوا ملاذهم الآمن عند الخطر؛ فكل جهد نبذله اليوم في التوعية والرعاية قد يكون حائط الصد الذي يحميهم غداً من التطرف والاستغلال والانحراف، ويحفظ للمجتمع تماسكه وقيمه ومستقبله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى