
نتعامل مع الحياة كأنها نَص طويل نملك رفاهية إعادة كتابته؛ نؤجل اعتذارًا، ونؤخر اعترافًا، ونترك مشاعرنا معلّقة على أمل أن تأتي لحظة أكثر ملاءمة. نتصرف كأن الغد مساحة مضمونة نستطيع أن نضع فيها كل ما لم ننجزه اليوم، متناسين أننا لا نعرف أين تنتهي المساحة المتاحة لنا للكتابة.
ننتظر أن نهدأ لنعتذر، وأن نطمئن لنحب، وأن نمتلك الشجاعة لنبدأ، وأن تتغير الظروف لنصبح الأشخاص الذين نريد أن نكونهم. وفي أثناء الانتظار، تتغير الأشياء دون استئذان؛ تتبدل مشاعر، وتبتعد وجوه، وتفقد بعض الفرص معناها، ثم نبحث عن لحظة محددة لنحمّلها مسؤولية النهاية، مع أن النهايات كثيرًا ما تبدأ قبل أن نعترف بوجودها.
وربما لا يكون أكثر ما يؤلمنا في الختام هو الفقد ذاته، بل اكتشاف ما كان يمكن أن نفعله ولم نفعل، وما كان يمكن أن نقوله واخترنا الصمت، وما استنزفنا من أعمارنا دون أن يستحق، وما تمسكنا به خوفًا من المجهول، بينما كان بقاؤنا فيه هو الخسارة الحقيقية.
لكن …
كيف نعيش دون أن نظل أسرى فكرة النهاية؟ هل علينا أن نتعامل مع كل لقاء باعتباره الوداع الأخير، وكل يوم باعتباره فرصة قد لا تتكرر؟
ليس المقصود أن نعيش في خوف دائم من الفقد، بل أن نفهم أن اللحظة، حتى إن تكررت ظروفها، لن تعود هي نفسها؛ نحن نتغير، والآخرون يتغيرون، وما نملكه اليوم قد لا يبقى متاحًا غدًا. أن نعيش بوعي يعني ألّا نؤجل حياتنا انتظارًا للحظة مثالية، وألّا نترك كل ما يعنيه لنا الآخرون حبيسًا في داخلنا، وألّا نحتاج إلى الخسارة حتى نكتشف قيمة ما كان بين أيدينا.
أن نراجع اختياراتنا قبل أن تراجعنا نتائجها، وأن نغادر ما يستنزف أرواحنا دون انتظار أن نفقد أنفسنا، وأن نعتذر حين نخطئ لا حين نخشى العواقب، وأن نمنح الأشياء التي تستحق وقتنا حضورًا حقيقيًا، لا ما يتبقى من انشغالاتنا. فليس في ذلك استعداد للرحيل، بل محاولة ألّا نغيب عن حياتنا ونحن نظن أننا نعيشها.
لا أحد يعرف كيف سيبدو الفصل الأخير من حكايته، ولا أي الكلمات ستظل عالقة في ذاكرة الآخرين عنه. لكننا، وسط كل ما لا نملكه، نملك مساحة لاختيار الطريقة التي نعيش بها، والأثر الذي نتركه، والأشياء التي نقرر ألّا نؤجلها أكثر.
وربما لا تكمن المأساة في أن للحكايات نهاية، بل في أن نكتشف، حين نصل إليها، أننا قضينا أعمارنا نؤجل الحياة نفسها؛ انتظرنا الوقت المناسب، والكلمات المناسبة، والشجاعة التي ظننا أنها ستأتي يومًا، حتى مرّت بعض الأشياء ولم يعد في وسعنا استعادتها.
لا أحد يعرف متى سيكتب سطره الأخير، ولا ما إذا كانت ستُمنح له فرصة لوداع من أحب، أو إصلاح ما أفسد، أو قول ما ظلّ طويلًا حبيس صدره. لذلك، لعلّ الحكمة ليست في أن نعيش خائفين من النهاية، بل ألّا نعيش مؤجلين كل ما يجعل لحياتنا معنى. ألّا نترك محبتنا رهينة الصمت، ولا أعمارنا رهينة الانتظار، ولا ننتظر الغياب حتى نفهم قيمة الحضور.
ففي النهاية، لن نستطيع العودة لنعيش فصولنا بطريقة مختلفة، ولن نملك محو ما تركناه في قلوب الآخرين، لكننا ما زلنا نملك هذه اللحظة؛ اللحظة التي لم تتحول بعد إلى ذكرى، ولم تصبح فيها الكلمات أشياء نتمنى لو قلناها.
فلو كان هذا آخر فصل في حكايتك، ولو عرفت أن الصفحة التالية لن تُكتب أبدًا، فماذا كنت ستقول في الختام ….؟
وهل ستشعر أنك عشت الحكاية التي أردتها حقًا، أم أنك قضيت عمرك تنتظر أن تبدأ .. ؟