كتاب وشعراء

جبلٌ في أضلعي.. بقلم الأديب الكبير: حامد الضبياني

أنا لم أولد،
لفظتني جريمةٌ
نسي التاريخُ
أن يعترف بها.
فتحتُ عينيَّ،
فوجدتُ جبلًا
يتحرّك بين أضلعي،
ونهرًا يجرُّ نعشَه
عكسَ الماء،
وقلبًا
كلّما حاول النجاة
أعاده الوجعُ
إلى قاعه.
أيُّ سلالةٍ أنا؟
ومن أيِّ عصرٍ
سبقَ الألمُ ولادتي؟
في دمي نهرٌ
خانته الروافد،
وفي صدري شناشيلُ
تتساقطُ من ذاكرة السيّاب،
وفي داخلي أمٌّ
تنوحُ في غرفة ابنها،
وتضمُّ وسادةً
ما زالت تحفظُ هيئةَ غيابه.
يا لهذا الجسد!
كم وطنًا
يستطيعُ أن يدفنَ
قبل أن يسقط؟
وكم مرّةً
يموتُ الإنسانُ
دون أن يتوقّفَ قلبه؟
قالوا لي:
اصبر.
فعلّقتُ عمري
على حبل الانتظار،
حتى شاخَ الحبل،
وبقيتُ معلّقًا.
سرقوا رغيفي،
وحدّثوني عن القناعة،
أطفؤوا مصباحي،
وشرحوا لي فضيلةَ الظلام،
ثم جاء مَن يحملُ اسمَ الله
فوق لسانه،
ويُخفي حقي
تحت عباءته.
يا لوجعي،
حين يصبحُ السارقُ واعظًا،
ويُطالَبُ الجائعُ
بشكر اليد
التي سرقته!
أنا لا أخاصمُ السماء،
لكنّني أسألُ الأرض:
لماذا يُولدُ الإنسانُ حرًّا،
ثم يقضي عمرَه
يستأذنُ الآخرين
كي يستردَّ نفسه؟
تعبتُ
من حملِ جبلٍ
لا أستطيعُ وضعَه أرضًا،
ومن نهرٍ
كلّما بكيتُ
ازدادَ غرقًا في دمي.
أريدُ أن أنامَ
دون أن يحفرَ الألمُ
قبرًا في أضلعي،
وأن أستيقظَ
فلا أجدَ وجهي
غريبًا عنّي.
فأنا لستُ رجلًا يتألّم؛
أنا جرحٌ
تعلّمَ المشي،
وحين سألوه عن اسمه
قال:
إنسان.
وحين سألوه عن وطنه،
أطرقَ طويلًا،
ثم أشارَ إلى صدره:
هنا…
حيث يموتُ كلُّ شيء،
ولا يموتُ الوجع.
إذا متُّ،
لا تبحثوا عنّي
في سجلات الموتى؛
فتّشوا عنّي
في دمعةٍ لم تسقط،
وفي أمٍّ
ما زالت تنتظر،
وفي قلبٍ
تكسّرَ ألفَ مرّة
وظلَّ يخفقُ
كي لا ينتصرَ الخراب.
أنا الذي
كلّما حاولتُ النجاةَ من الألم،
اكتشفتُ
أنّني أحملُه في داخلي،
وأنّ الطريقَ إلى نفسي
يمرُّ من جراحي.

حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى