
في ولاية تبسة الجزائرية، ارتدى حامد ياسين قميصه الأنيق، حمل كتابه الجديد، ووقف أمام المرآة طويلًا، كأنه يتدرّب على ابتسامةٍ يريد أن يهديها إلى العالم.
كان ذلك يومًا انتظره أعواماً.
منذ الليلة التي كتب فيها أول سطر، وهو يتخيّل هذه اللحظة: قاعة تضجّ بالأصوات، أيادٍ تمتدّ إليه بالكتب، قرّاء يسألونه عن شخصياته، ووجوهٌ غريبة تخبره بأن الكلمات التي كتبها في وحدته وجدت أخيرًا طريقها إلى قلوب الآخرين.
وضع في حقيبته أقلامًا للتوقيع، ورتّب كتبه بعناية، ثم ألقى نظرة أخيرة على المرآة وسأل نفسه ضاحكاً:
يا ترى، كم كتابًا سأوقّع اليوم ؟
لم يجبه أحد، لكن قلبه أجاب نيابةً عن الجميع.
وصل إلى القاعة قبل الموعد. فتح الباب، ودخل بخطوات رجلٍ يخشى أن يوقظ الفرح النائم في داخله قبل أوانه.
كانت الكراسي مصطفّة في صفوفٍ متساوية، نظيفةً وهادئة، تنتظر أصحابها.
ابتسم حامد.
قال في سرّه: حتماً سيأتون
وضع كتبه على الطاولة،
سوّى أطرافها بيده،
ثم أخرج هاتفه ونظر إلى الساعة.
بقيت عشر دقائق.
مرّت العشر دقائق، ولم يأتِ أحد.
قال لنفسه إن الناس يتأخرون أحيانًا. الجزائر واسعة، والطرقات مزدحمة، وربما كان بعضهم يبحث عن موقفٍ لسيارته.
جلس، ثم نهض. مشى بين الكراسي، وأعاد واحدًا إلى مكانه، مع أنه لم يكن يحتاج إلى إعادة.
بعد نصف ساعة، رنّ هاتفه. رفعه بسرعة، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
لم يكن أحد المدعوين.
كانت رسالةً عادية لا علاقة لها بكتابه.
أعاد الهاتف إلى جيبه، ثم نظر إلى الباب.
كان الباب مغلقًا، لكن عينيه ظلّتا تستقبلان القادمين.
انقضت ساعة.
لم يدخل سوى رجلٍ واحد، جلس في الصفوف الخلفية، ثم جاء صديق حامد وجلس إلى جواره.
رجلان في قاعةٍ أُعدّت لعشرات القرّاء.
اقترب المنظّم منه مرتبكاً، وسأله بصوتٍ خافت:
هل ننتظر قليلًا بعد؟
نظر حامد إلى الكراسي، ثم قال:
نعم، لعلّهم في الطريق.
لم يكن يعرف من الذي يحاول إقناعه؛ المنظّم أم نفسه.
جلس أمام كتبه، وفتح النسخة الأولى. مرّر أصابعه على الغلاف، كأنه يتحسّس وجه طفلٍ لم يجد من يستقبله.
توقّف عند الصفحة الأولى، حيث كتب بخط يده إهداءً إلى القارئ الذي تخيّله يوماً:
إلى من يجد في كلماتي شيئًا يشبهه،
لئلا يشعر بأنه وحيد في هذا العالم.
قرأ العبارة مرةً ثانية.
ثم أغلق الكتاب.
في تلك اللحظة، شعر أن الجملة لم تكن إهداءً إلى قارئٍ مجهول، بل رسالةً كتبها لنفسه دون أن يدري.
رفع رأسه. كانت الكراسي لا تزال في أماكنها، صامتةً، باردةً، كأنها تعرف شيئًا يعجز هو عن فهمه.
حاول أن يبتسم للرجلين الجالسين أمامه، لكن ابتسامته خرجت متعبةً، وانكسرت قبل أن تبلغ عينيه.
قال صديقه:
حامد، لا تحزن. المهم أنك كتبت.
أومأ برأسه.
كان يعرف أن صديقه يريد مواساته،
لكنه في تلك اللحظة لم يكن بحاجة إلى من يذكّره بأنه كتب ؛ كان بحاجة إلى شخصٍ واحد يقول له إنه قرأ، وإن سطرًا واحدًا من كتابه غيّر شيئًا في حياته.
فثمة فرقٌ شاسع بين أن تعرف أنك كتبت كتابًا، وأن تشعر أن الكتاب وصل إلى أحد.
انحنى فوق الطاولة،
وأخفى وجهه بين كفّيه.
وبكى.
لم يبكِ لأن القاعة فارغة فحسب،
بل لأن أعواماً من السهر اجتمعت فجأةً في حلقه، ولأن الجمل التي صقلها طويلاً بدت له عاجزةً عن مواساة صاحبها،
ولأن الرجل الذي قضى عمره يمنح شخصياته أصواتًا لم يجد، في تلك اللحظة، صوتًا واحدًا يناديه من بين المقاعد.
اقترب صديقه ووضع يده على كتفه.
لم يقل شيئاً.
وكان ذلك أجمل ما استطاع فعله.
بعد قليل، رفع حامد رأسه ومسح دموعه. نظر إلى الرجل الغريب الذي حضر، فوجده يراقبه بصمت.
سأله:
هل قرأت الكتاب؟
تردّد الرجل قليلًا، ثم قال:
لم أقرأه بعد.
ابتسم حامد ابتسامةً شاحبة.
مدّ يده إلى إحدى النسخ، وكتب على الصفحة الأولى:
إلى قارئي الأول في هذا المساء،
أتمنى ألّا يكون الأخير.
ثم ناوله الكتاب.
أخذه الرجل بكلتا يديه، كأنه أدرك فجأةً أن ما يتسلّمه ليس أوراقًا مطبوعة، بل شيءٌ دفع صاحبه ثمنه من عمره.
خرج حامد من القاعة بعد أن انتهى الموعد.
لم يلتفت إلى الوراء.
كان يحمل حقيبته، وفي داخلها الأقلام التي لم توقّع إلا نسخةً واحدة، والكتب التي عادت معه كما جاءت، ووجعًا لم يكن يعرف أين يضعه.
في الخارج، كان المساء عادياً إلى حدّ القسوة. السيارات تمرّ، والناس يتحدثون، وأحد الباعة ينادي على بضاعته، فيما العالم يواصل حياته دون أن ينتبه إلى أن كاتباً خرج لتوّه من قاعةٍ ترك فيها جزءاً من روحه.
وفي تلك الليلة، جلس حامد إلى مكتبه، وفتح حاسوبه. ظلّ المؤشر يومض أمام صفحةٍ بيضاء.
أراد أن يكتب، لكنه لم يستطع.
لأول مرة، لم يسأله قلبه: ماذا أكتب؟
بل سأله: لمن؟
أغلق الحاسوب، وأطفأ المصباح.
وفي مكانٍ آخر، بعيداً عن تبسة، فتح الرجل الغريب الكتاب الذي تلقّاه. قرأ الصفحة الأولى، ثم الصفحة الثانية، حتى نسي الوقت.
وعند الفجر، اتصل بحامد. كان حامد نائماً، لكن رنين الهاتف أيقظه.
جاءه صوت الرجل مرتبكاًوممتلئاً:
أستاذ حامد، أعتذر لأنني اتصلت في هذا الوقت، لكنني أنهيت كتابك للتو.
هناك جملة في الصفحة السابعة والثلاثين… أشعر أنها كُتبت عني.
لا أعرف كيف أشرح لك ذلك،
لكنني بكيت.
ظلّ حامد صامتاً، ثم جلس على حافة السرير.
كان الرجل يتحدَّث عن جملةٍ كتبها قبل سنوات، في ليلةٍ ظنّ فيها أن لا أحد سيفهمها.
أغمض حامد عينيه،
وانهمرت دمعتان على وجهه.
هذه المرة، لم يكن يبكي لأنه لم يجد قارئاً.
كان يبكي لأن قارئاً واحداً وجده أخيراً.
ومع ذلك، لم تكن القصة قد انتهت.
ففي الصباح التالي، مرّ حامد أمام القاعة التي أقيم فيها حفل التوقيع. كانت الأبواب مغلقة، والكراسي قد أُعيد ترتيبها لاستقبال مناسبةٍ أخرى.
توقّف عند الباب لحظةً،
ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة ومضى.
لم يعرف أحدٌ ما الذي جرى في داخله.
لكن الكراسي، التي شهدت انكساره في الليلة الماضية، بقيت صامتةً في أماكنها.
ولعلّها، لو كانت تستطيع البكاء، لبكت قبله؛ لأنها كانت ممتلئةً بالفراغ، بينما كان هو ممتلئاً بالكلمات.
ولم يكن أقسى ما حدث أن حامد ياسين وقّع كتاباً واحداً في تلك الليلة؛ بل أن عالماً كاملاً كان يمكن أن يكتشف نفسه بين صفحاته، ولم يأتِ أحد.
د. عبدالكريم الحلو