محمد خالد الحسيني يكتب :اليمن في مرمى الحسابات الكبرى: حين تتسع الدبلوماسية ويضيق هامش السلام

المعضلة اليوم ليست غياب الدبلوماسية، بل قدرتها على كبح التصعيد قبل أن تتحول حسابات الردع إلى حرب إقليمية مفتوحة، يكون اليمن ساحتها الأكثر هشاشة، لا ساحة المواجهة الوحيدة.
فبين تحركات السعودية وتركيا وباكستان نحو طهران، وتوجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو للقاء فلاديمير بوتين، واستعداد مصر لمساندة السعودية دفاعياً، تتكشف مفارقة المشهد: اتصالات سياسية تتسع لاحتواء الأزمة، ومواجهات ميدانية وتهديدات متبادلة تدفعها نحو مزيد من التعقيد.
وأرى أن الاختبار الحاسم ليس مَن يمتلك أدوات القوة، بل مَن يستطيع توظيفها لمنع الانفجار؛ لأن فشل الدبلوماسية لن يعني تعثر مسار سياسي فحسب، بل قد يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز اليمن وتطال أمن الخليج والممرات البحرية واستقرار المنطقة بأسرها.
فالتصعيد اليمني اليوم لم يعد مجرد فصل من فصول الصراع الداخلي، ولا يمكن فهمه باعتباره مواجهة معزولة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من التحالف العربي.
فقد أصبحت جبهات القتال متصلة بحسابات الأمن الإقليمي، من استهداف الأراضي السعودية والمنشآت النفطية، إلى المخاوف المرتبطة بباب المندب، وصولاً إلى التحركات الدبلوماسية التي تعكس اتساع دائرة القلق من انفلات المواجهة.
وهنا تكمن خطورة اللحظة: أن يتحول اليمن من أزمة تحتاج إلى تسوية سياسية إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، ويصبح التصعيد فيه وسيلة ضغط تتجاوز أهداف أطرافه المحليين.
إن تحركات السعودية وتركيا وباكستان نحو طهران تعكس إدراكاً بأن احتواء الأزمة يقتضي التواصل مع الأطراف المؤثرة في مساراتها، وفي مقدمتها إيران، بالنظر إلى علاقاتها بالحوثيين ودورها الإقليمي.
كما يضيف توجه بزشكيان إلى موسكو بُعداً دولياً إلى المشهد، في ظل العلاقات الروسية الإيرانية والتشاور بشأن الطاقة والتعاون الاستراتيجي والتطورات الإقليمية.
لكن تزامن هذه التحركات، على أهميته، لا يثبت وجود تفاهم موحد، ولا يعني أن التسوية باتت وشيكة.
وأعتقد أن المعيار الحقيقي لجدوى هذه التحركات ليس عدد الاجتماعات ولا مستوى التمثيل فيها، بل ما إذا كانت ستغيّر سلوك الأطراف على الأرض.
فالدبلوماسية التي لا تنجح في الحد من الهجمات، وحماية المنشآت الحيوية، وفتح مسار جاد لخفض التصعيد، قد تتحول إلى وسيلة لإدارة الأزمة لا إنهائها.
والأسوأ أن تتعايش المفاوضات مع استمرار المواجهة، فتمنح الأطراف وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها، بينما تتسع مخاطر سوء الحسابات.
وفي هذا السياق، يكتسب الموقف المصري أهمية خاصة، بعدما وافق مجلس النواب على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي لاتخاذ إجراءات دفاعية لمساندة السعودية.
وتحمل الخطوة رسالة سياسية بشأن الاهتمام العربي بأمن المملكة، لكنها لا تعني، في حد ذاتها، أن تدخلاً عسكرياً مصرياً مباشراً قد تقرر، إذ لم تُحسم طبيعة الدعم المحتمل.
أما اعتبار القيادي محمد علي الحوثي هذا الموقف إعلان حرب، فيكشف عن حساسية الجماعة تجاه احتمال اتساع دائرة الدعم للسعودية.
غير أن توصيف الدعم الدفاعي باعتباره إعلاناً للحرب لا يبدد المخاوف، بل قد يرفع منسوب التوتر ويزيد صعوبة احتواء المواجهة.
فالمطلوب هو منع انتقال الرسائل السياسية إلى خطوات عسكرية متبادلة، لا تحويل كل موقف إلى ذريعة لتصعيد جديد.
وعلى الأرض اليمنية، تزداد المخاطر مع استمرار المواجهات في تعز ولحج والساحل الغربي.
فهذه الجبهات ليست مجرد مواقع متنازع عليها، بل ترتبط بطرق الإمداد والنفوذ الجغرافي ومحيط باب المندب، الذي تتجاوز أهميته حدود اليمن.
وإذا تزامن التصعيد الداخلي مع اتساع المواجهة الإقليمية، فقد تتحول الجبهات اليمنية إلى أوراق ضغط متبادلة، وتتراجع فرص التسوية، فيما تتزايد الأعباء الإنسانية والاقتصادية على بلد أنهكته الحرب والانقسام.
من هنا، فإن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية يبدأ بتحويل التعهدات إلى إجراءات قابلة للقياس: وقف الهجمات العابرة للحدود، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وصون أمن الملاحة، ومنع اتساع المواجهات، وإعادة فتح المسار السياسي اليمني لمعالجة جذور الصراع، لا تأجيل انفجاره.
كما يتطلب الأمر التحقق المستقل من الروايات العسكرية المتنازع عليها، بدلاً من بناء المواقف على ادعاءات لا تزال بحاجة إلى أدلة موثوقة.
أما إذا واصلت الأطراف استخدام الصواريخ والتهديدات والتفويضات السياسية لتحسين مواقعها التفاوضية، فقد تجد المنطقة نفسها أمام تصعيد يصعب ضبطه، تمتد آثاره إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة والتجارة البحرية، بينما يتحمل اليمنيون القسط الأكبر من الخسائر.
في النهاية، لا تكمن الحكمة في استعراض القوة، بل في معرفة حدودها وكلفة استخدامها.
واليمن لا يحتاج إلى مزيد من ساحات المواجهة، بل إلى قرار إقليمي مسؤول يمنع تحويله إلى وقود لصراعات الآخرين.
فإما أن تثبت التحركات الجارية أن الدبلوماسية قادرة على كبح القوة، وإما أن يكشف الميدان عجزها عن منع حرب لن تبقى، إذا انفجرت، داخل الحدود اليمنية.