كتاب وشعراء

مقال قلق الهويات .. والذوبان الصامت .. . ناديا حمّاد / سوريا

في هذا العالم الذي يتغيّر أسرع من نبض القلب،
تقف الهويات ككائناتٍ صغيرة على حافة الضوء
تتساءل :
هل ما زلنا نحن أم أننا
أصبحنا ظلالاً لما يريده الآخرون؟ا

القلق الذي يملأ صدور الشعوب ليس وهماً ،
بل هو ارتجافٌ قديم في ذاكرة الإنسان،

ارتجافٌ يبدأ حين يشعر بأن العالم
يتقدّم نحوه بسرعةٍ لا تمنحه وقتاً
ليلتقط اسمه ،
ولا لغته ، وَ لا صوته الداخلي ….

**في الحروب:

حين تتشقق الأرض في داخلنا
الحروب لا تكتفي بتمزيق الخرائط،
إنها تمزّق أيضاً الخيوط التي تربط الإنسان بذاته.
وحين تُقتلع الشعوب من أرضها،
تتبعثر الذاكرة مثل ترابٍ في الريح،
ويصبح سؤال من نحن؟أكثر إلحاحاً
من سؤال أين نذهب؟

**في لحظات النزوح،

تتقلّص الهوية إلى حقيبةٍ صغيرة،
إلى لغةٍ تُنطَق بارتباك،
إلى صورةٍ قديمة في جيبٍ مهترئ،
إلى خوفٍ من أن يتحوّل الإنسان إلى
كائنٍ بلا جذور،
يمشي فوق الأرض كأنه ضيفٌ على تاريخه.

** إلغاء المختلِف :
——————-
هي محاولةٌ لإطفاء نجمة في السماء

تتزايد في زمننا محاولات إلغاء المختلف ،
كأنّ العالم يريد أن يصبح مرآة واحدة
لا تعكس إلا وجهاً واحداً وصوتاً واحداً .
لكن الهويّة لا تُبنى من التشابه،
بل من القدرة على أن نرى أنفسنا في عيون الآخرين،
من اختلافٍ يشبه اتساع الكون،
حيث لا تتشابه النجوم،
ومع ذلك تصنع معاً سماءً واحدة.

حين يُلغى المختلف،
لا يخسر هو وحده ،
بل تخسر الجماعة قدرتها على أن تتعرّف إلى نفسها
من زاويةٍ أخرى كانت ستنقذها من العمى …

**التكنولوجيا: الذوبان الصامت

التكنولوجيا ليست أداة ،
إنها كوكبٌ جديد نعيش عليه من دون أن ننتقل إليه.
هي تعيد تشكيل لغتنا،
تُعيد ترتيب ذاكرتنا،
وتُعيد صياغة الطريقة التي نفهم بها العالم.

في الفضاء الرقمي ،
تذوب الهويات كما يذوب الملح في الماء،
ليس بفعل العنف،
بل بفعل الإغراء .
حين نستهلك صوراً لا تشبهنا،
ثم نعيد إنتاجها كأنها جزءٌ منّا،
فنصبح معلّقين بين ذاتٍ قديمة
لا نعرف كيف نحميها،
وذاتٍ جديدة
لا نعرف كيف ننتمي إليها.

التكنولوجيا تمنحنا قوةً هائلة،
لكنها تسحب منّا شيئاً مقابل ذلك :
تسحب القدرة على أن نكون وحدنا،
أن نصغي إلى صوتنا الداخلي
من دون ضجيج العالم….

نحن بحاجة إلى هويةٍ مرنة… لا تخاف من الضوء
لا نريدها هويةٍ صلبة،
بل هويةٍ تعرف كيف تتغيّر
من دون أن تنمحي ،
وتعرف كيف تتجاور مع الآخرين
من دون أن تفقد نبرتها الخاصة.
فالهوية ليست جداراً،
بل نافذة .
وليست سلاحاً،
بل لغة.
وليست امتلاكاً،
بل علاقةٌ مستمرة بين الإنسان والعالم

إن الشعوب التي تعيش قلق الهويات اليوم ليست ضعيفة، بل واعية.
فالقلق ليس علامة انهيار ،
بل علامة يقظة
يقظة تقول :
نريد أن نكون جزءاً من هذا الكون،
لكننا لا نريد أن نفقد أنفسنا فيه.
————————
د. ناديا حمّاد
– المانيا –

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى