كتاب وشعراء

مملكةُ الضِّباع ••• يوسف حنا / فلسطين

(نشيدٌ من أَجلِ الذين لم يمنحوا الظلامَ أَسماءَهم)
.
في مملكةٍ
تأكلُ فيها الضِّباعُ ظلالَها،
وتتنازعُ على جثّةِ شمسٍ
لم تشرقْ يومًا للجميع،
تُجرى الانتخابات.
.
تخرجُ الوحوشُ من جلودِها
وتلبسُ وجوهَ الآلهة،
تغسلُ أَنيابَها بماءِ الدستور،
وتقسمُ أَنَّ الدمَ الذي على أَيديها
ليس دمًا،
بل حبرُ التاريخ
حين يكتبُه المنتصرون.
.
هناك،
على جبلِ الأولمبِ المسروق،
يتشاجرُ أَبناءُ الإِلهِ الواحد
على مَن يرثُ البرق،
على مَن يضعُ قدمَه فوقَ رقبةِ الأَرض،
على مَن يعلّقُ قناعَهُ
فوق بابِ الجحيم
ويُسمّيه وطنًا.
.
زيوسُ يلوّحُ بالصاعقة،
وميدوزا تفتحُ عينيها
فتتحجّرُ العدالةُ في أَفواهِ القُضاة،
أَمّا مينوتور،
ذلك الذي يسكنُ متاهةَ القصر،
فيقتاتُ على أَسماءِ القرى
ويتركُ على جدرانِها
قرونًا من الصمت.
.
وفي الخارج،
نحنُ الذين لم ندخلْ في حكايتِهم
إِلّا بوصفِنا خطأً في الخلق،
نقفُ عند بابِ الأُسطورة،
نحملُ مفاتيحَ بيوتٍ
لم تعدْ البيوتُ تعرفُ أَصحابَها،
وننادي على زيتونةٍ
دفنوا جذورَها في خرائطِهم،
فأَخرجتْ من تحتِ الترابِ
أَلفَ يدٍ خضراء.
.
نحنُ الفلسطينيين،
الذين وضعوا بلادَهم في قفصِ الاقتراع
ثم سأَلوا القفصَ
لِمَن تكونُ البلاد.
.
كلُّ دورةٍ
يُعيدونَ طِلاءَ القضبان،
يبدّلونَ الحارسَ بالحارس،
ويتركونَ المفتاحَ في جيبِ السجّان،
ثم يسأَلونَنا،
بابتسامةٍ مدرَّبةٍ على الكراهية:
لماذا لا تشعرونَ بالأَمان؟
.
أَيُّ أَمانٍ
والميزانُ الذي يزنُ أَرواحَنا
مصنوعٌ من خشبِ المشنقة؟
أَيُّ مساواةٍ
حين يكونُ اسْمُنا تهمةً،
ولغتُنا شبهةً،
وذاكرتُنا أَرضًا قابلةً للمصادرة،
وحين يحتاجُ موتُنا
إِلى إِذنٍ من القاتلِ
كي يُعترفَ به موتًا؟
.
في برلمانِ المرايا
تتكسّرُ الوجوهُ على وجوهِها،
وتنهشُ الضباعُ بعضَها بعضًا،
لا لأَنَّ الجوعَ اشتدَّ،
بل لأَنَّ جثّةَ البلاد
لم تعدْ تتّسعُ لكلِّ هذا الجوع.
.
يصرخُ الوحشُ في الوحش:
أَنتَ أَكثرُ وحشيّةً منّي!

ويُخرجُ من جيبِه
صكَّ براءَةٍ مختومًا بدمِ الضحيّة.
يا لسخريةِ التراجيديا!
كلُّ واحدٍ منهم
يريدُ أَن يكونَ آخرَ الطغاة،
وكلُّ واحدٍ
يُعدُّ للظلامِ وريثًا.
.
لكنْ،
مَن أَخبرَهم أَنَّ الأُسطورةَ انتهت؟
مَن قالَ إِنَّ سيزيفَ
ظلَّ إِلى الأَبدِ يدفعُ صخرتَه
نحو قمةٍ لا تبلغُها قدماه؟

ربما تعلّمَ أَخيرًا
أَنَّ الصخرةَ ليست قَدَرَه،
وأَنَّ الجبلَ الذي ورثَه
ليس أَعلى من إِرادتِه.
.
وربّما،
في مكانٍ آخرَ من الحكاية،
كانت أَنتيغونُ تدفنُ موتاها
بيدينِ عاريتين،
وتقولُ للملك:
ليستْ قوانينُكَ أَقدمَ من التراب،
ولا عرشُكَ أَعلى من حقِّ الميّت
في حفنةِ أَرض.
.
نحنُ أَبناءُ تلك الحفنة،
حيثُ ينامُ الجدُّ في شقِّ الصخرة،
وتستيقظُ الأُمُّ على رائحةِ الخبز،
ويخبّئُ الطفلُ في حقيبتِه
خريطةً لا تشبهُ خرائطَ المدرسة،
لأَنَّ النهرَ فيها ليس خطًّا،
والبحرَ ليس حدًّا،
والقريةَ ليست خَبرًا
في نشرةِ المساءِ.
.
نحنُ الذين لا نملكُ ترفَ الأَساطير،
لأَنَّ الأُسطورةَ ما زالتْ تحدثُ أَمامَ أبوابِنا:
أَرضٌ تُسرقُ باسمِ الوعد،
وإِنسانٌ يُقصى باسمِ القانون،
وقبرٌ يُحاصَرُ باسمِ الأَمن،
ثمَّ يُطلبُ من الناجي
أَن يشكرَ قاتلَه
لأَنَّه تركَ له ظلًّا
يستظلُّ به من الشمس.
.
لكنَّهم لا يعرفون
أَنَّ للظلِّ ذاكرة،
وأَنَّ الحجارةَ التي يرفعونَها
لتبني جدرانَ الفصلِ
تحتفظُ بحرارةِ الأَيدي التي اقتلعتها،
وأَنَّ الأرضَ،
حين يطولُ عليها احتلالُها،
لا تنسى اسمَ المطر.
.
لا نطلبُ من وحوشِهم
أَن تصيرَ حمائم،
ولا ننتظرُ من الذئبِ
أَن يعتذرَ للخروفِ عن أَسنانِه.

نريدُ أن نكسرَ الحكايةَ التي تجعلُ الوحشَ قانونًا،
وأَن ننتزعَ من فمِ الأُسطورة
حقَّ الإِنسانِ في أَن يكونَ إِنسانًا؛
لا فائضًا ديمغرافيًّا،
ولا ظلًّا في دولةٍ لغيرِه،
ولا رقمًا يُحذفُ حين تضيقُ الأَغلبيةُ
بمرآةِ الحقيقة.
.
يا أَبناءَ البلادِ المحاصَرينَ بأَسمائِهم،
لا تجعلوا من اليأسِ وطنًا،
ولا من الخوفِ لغةً ثانية،
ولا من اختلافِ الراياتِ
خنجرًا في خاصرةِ بعضِكم.
.
فالمتاهةُ لا تُهزمُ
حين يتقاتلُ العالقونَ فيها،
بل حين يكتشفونَ
أَنَّ الجدارَ الذي يفصلُهم
ليس أَبدًا أُفقًا.
.
وأَنَّ خلاصَنا
ليس في أَن نرثَ عرشَ الوحش،
بل في أَلّا نحتاجَ إِلى عرشٍ
كي نكون.

في آخرِ الليل،
حين تنتهي الانتخابات،
وتعودُ الضباعُ إِلى عرينِها
تلعقُ دماءَ بعضِها
وتحصي ما بقيَ من أَنيابِها،
سيمرُّ فتى فلسطينيٌّ
في شارعٍ لا يحملُ اسمَ جدِّه،
ويزرعُ في شقٍّ من الإِسفلت
بذرةَ زيتونة.
.
لن تُصفّقَ له الكاميرات،
لن يذكرَه البرلمان،
لن تمنحَه الأُسطورةُ لقبًا.

سيضعُ الترابَ حولَ البذرة،
ثم يمضي.

وفي الصباح،
حين تفتحُ الشمسُ عينَيها،
سيجدُ الحجرُ نفسَه
يرفعُ فوق ظهرِه
ورقةً خضراء.

عندها فقط،
ستفهمُ المملكةُ
أَنَّ ما حسبتْه جثّةً
كان جذرًا،
وأنَّ ما سمّتْه نهايةً
كانَ الأَرضَ
تستعدُّ لأَن تقولَ كلمتَها الأَخيرة.
ولم تكنِ الكلمةُ انتقامًا.
كانت:
سنَبقى
.
يوسف حنا
.
اللوحة من أعمال الفنان الفلسطيني الكبير، طيب الذكر، سليمان منصور

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى