رؤي ومقالات

باحث في الأمن القومي: 97% من الاتصالات العالمية تمر عبر الكابلات البحرية.. وتهديد هرمز قد يشل الاقتصاد العالمي

زعلوك: الكابلات البحرية سلاح استراتيجي في صراع القوى الكبرى على البيانات

حذر الكاتب الصحفي والباحث في الأمن القومي عبده زعلوك من تصاعد المخاطر الاستراتيجية التي تواجه الكابلات البحرية للاتصالات، في ظل التوترات الجيوسياسية والصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، مؤكدًا أن هذه الكابلات لم تعد مجرد بنية تحتية لنقل البيانات، بل تحولت إلى أحد أهم عناصر الأمن القومي وموازين القوة الاقتصادية والعسكرية.

وقال زعلوك، خلال استضافته في برنامج «بلا تردد»، إن نحو 97% من الاتصالات العالمية تمر عبر الكابلات البحرية، التي تمثل العمود الفقري للاتصالات الرقمية، مشيرًا إلى أن أهميتها تتجاوز الاستخدامات اليومية للإنترنت، لتشمل المعاملات المالية والتجارية والتحويلات المصرفية والأنظمة الحيوية للدول.

وأضاف أن الكابلات البحرية تنقل معاملات مالية تتجاوز 10 تريليونات دولار يوميًا، وفق تقديره، موضحًا أن أي اضطراب في هذه الشبكات قد ينعكس بصورة مباشرة على البورصات والمقاصات والتحويلات المالية والتجارة العالمية، وأن تأخير بعض المعاملات اللحظية قد يترتب عليه خسائر بملايين الدولارات.

الشركات التكنولوجية تدخل سباق الكابلات

وأوضح زعلوك أن ملكية الكابلات البحرية شهدت تحولًا كبيرًا خلال العقد الأخير، بعدما كانت الحكومات وشركات الاتصالات الوطنية تمثل اللاعب الرئيسي في هذا المجال، لتدخل شركات التكنولوجيا الكبرى بثقل متزايد، وفي مقدمتها جوجل وميتا ومايكروسوفت وأمازون.

وأشار إلى أن هذا التحول يعكس انتقال جانب مهم من البنية التحتية الرقمية إلى شركات خاصة، لكنها تنتمي إلى دول بعينها، وهو ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين المصالح التجارية والأمن القومي.

وأضاف أن الصراع الأمريكي الصيني امتد إلى مجال الكابلات البحرية، في ظل محاولات الصين المشاركة في مشروعات مد الكابلات الدولية، مقابل ضغوط أمريكية وغربية للحد من هذا التوسع.

وقال إن البيانات التي تمر عبر هذه الكابلات تمنحها أهمية استراتيجية كبيرة، معتبرًا أن امتلاك البنية التحتية الرقمية والتحكم في مساراتها يمثلان عنصرًا مؤثرًا في الصراع على النفوذ التكنولوجي.

الكابلات البحرية في قلب الحروب الهجينة

وأكد زعلوك أن أهمية الكابلات البحرية لم تعد مقتصرة على الاتصالات والاقتصاد، بل امتدت إلى المجال العسكري، في ظل الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي والبيانات في عمليات الرصد والمراقبة وتوجيه الأسلحة والطائرات المسيرة.

وأشار إلى أن تطور تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أسهم في تغيير طبيعة الحروب، موضحًا أن الوصول إلى المعلومات الدقيقة عن المواقع والأهداف أصبح عنصرًا أساسيًا في العمليات العسكرية الحديثة.

وأضاف أن هذا التطور يرفع من قيمة الكابلات البحرية باعتبارها جزءًا من البنية التحتية التي تعتمد عليها الأنظمة الرقمية والعسكرية، مؤكدًا أن حماية البيانات أصبحت قضية أمن قومي بدرجة كبيرة.

مضيق هرمز.. نقطة اختناق استراتيجية

وفيما يتعلق بالتهديدات الإيرانية باستهداف الكابلات البحرية، قال زعلوك إن مضيق هرمز لا يمثل ممرًا لنقل الطاقة فقط، رغم مرور نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية عبره، بل يعد أيضًا منطقة اختناق مهمة للكابلات البحرية.

وأوضح أن إيران تمتلك القدرة على تهديد الكابلات الموجودة في المنطقة، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين القدرة على الاستهداف والتنفيذ الفعلي.

وأضاف أن قطع الكابلات في مضيق هرمز قد يؤدي إلى أضرار تتجاوز الولايات المتحدة وإسرائيل، لتشمل الصين وروسيا ودولًا أخرى ترتبط مصالحها الاقتصادية والرقمية بهذه الشبكات.

واعتبر أن توظيف هذا التهديد قد يكون أداة للردع والضغط، وليس بالضرورة مؤشرًا على اتخاذ قرار فعلي بقطع الكابلات، نظرًا إلى اتساع دائرة المتضررين المحتملين.

قطع الكابل دقائق.. وإصلاحه قد يستغرق وقتًا طويلًا

وأشار زعلوك إلى أن استهداف الكابلات البحرية قد يكون سهلًا في بعض المناطق الضحلة، بينما تزداد صعوبة الوصول إليها في الأعماق الكبيرة، موضحًا أن بعض الكابلات تمتد إلى أعماق تصل إلى آلاف الأمتار.

واستشهد بحادث قطع أحد الكابلات البحرية في الإسكندرية عام 2013، الذي قال إنه تسبب في تباطؤ سرعة الإنترنت في مصر بنحو 60%.

وأوضح أن خطورة استهداف الكابلات لا تتوقف عند عملية القطع نفسها، التي قد تستغرق دقائق، بل تمتد إلى عمليات الإصلاح، التي تتطلب سفنًا متخصصة ومعدات دقيقة، فضلًا عن صعوبة تأمين عمليات الصيانة في مناطق النزاع.

وأضاف أن محدودية عدد سفن إصلاح الكابلات المتخصصة قد تزيد من الوقت اللازم لاستعادة الخدمة، وهو ما يضاعف الأضرار الاقتصادية والرقمية الناتجة عن أي استهداف.

الإنترنت الفضائي ليس بديلًا للكابلات البحرية

وشدد زعلوك على أن شبكات الإنترنت الفضائي، مثل «ستارلينك»، لا تمثل بديلًا مكافئًا للكابلات البحرية، موضحًا أن الأخيرة تتميز بالسرعة والسعة اللازمة لنقل كميات ضخمة من البيانات والمعاملات المالية اللحظية.

وقال إن الإنترنت الفضائي قد يوفر حلولًا للمناطق المعزولة التي تفتقر إلى البنية التحتية، لكنه لا يمتلك، وفق تقديره، القدرة على استيعاب حجم الاتصالات والمعاملات الاقتصادية التي تمر عبر الكابلات البحرية.

وأضاف أن توقف هذه الشبكات لا يعني مجرد انقطاع خدمات التواصل الاجتماعي أو مشاهدة مقاطع الفيديو، بل قد يمتد إلى الرواتب والبورصات والموانئ والمطارات والمستشفيات والأنظمة الذكية المرتبطة بالخدمات الحيوية.

وحذر من أن تعطل الأنظمة الرقمية في المستشفيات وأجهزة الطوارئ قد يهدد حياة المرضى، إلى جانب التأثيرات المحتملة على حركة التجارة والاقتصاد في دول المنطقة.

تحركات دولية لتأمين البنية التحتية البحرية

وأشار زعلوك إلى أن حوادث استهداف الكابلات في منطقة بحر البلطيق خلال عامي 2023 و2024 دفعت دولًا أوروبية إلى إعادة النظر في إجراءات حماية البنية التحتية الرقمية تحت الماء.

وأوضح أن فرنسا تعمل على تعزيز قدراتها البحرية المتخصصة في مراقبة الكابلات، فيما تتجه بريطانيا إلى تعزيز قدراتها، ويولي حلف شمال الأطلسي «الناتو» اهتمامًا متزايدًا بحماية البنية التحتية الرقمية البحرية.

وأضاف أن الولايات المتحدة تتعامل مع هذه الكابلات باعتبارها جزءًا من أمنها القومي، في حين تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في هذا المجال.

وأكد أن التركيز التاريخي على السرعة وخفض التكلفة وتوسيع الاتصال العالمي، لم يقابله اهتمام مماثل بتأمين الكابلات، قبل أن تدفع التوترات الجيوسياسية الدول إلى إدراك حجم المخاطر المرتبطة بها.

معضلات قانونية وسياسية أمام الحماية

ولفت زعلوك إلى أن تأمين الكابلات البحرية يواجه تحديات قانونية وسياسية، تتعلق بمرورها عبر المياه الدولية والمياه الإقليمية للدول، فضلًا عن ملكيتها لشركات خاصة.

وأوضح أن حماية الكابلات في مناطق مثل مضيق هرمز تثير تساؤلات حول حدود التدخل العسكري والمدني في المياه الدولية، والجهة التي تمتلك صلاحية تأمين هذه البنية التحتية.

وأشار إلى الأهمية الاستراتيجية لمصر في هذا المجال، مع مرور الكابلات عبر قناة السويس وسواحل الإسكندرية والمدن الساحلية، معتبرًا أن حماية هذه الشبكات تمثل جزءًا من الأمن الرقمي المصري.

واختتم زعلوك تصريحاته بالتأكيد على أن الكابلات البحرية أصبحت عنصرًا حاسمًا في الاقتصاد العالمي والأمن القومي، وأن تأمينها يتطلب ترتيبات دولية وتوافقًا بين الدول والشركات المالكة، في ظل أن أي ضرر يصيب هذه الشبكات قد تتجاوز آثاره الدولة المستهدفة ليصيب الاقتصاد العالمي بأكمله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى