
بطاقة تعريف:
-الأديب “علاء السيد محمد أبو شحاتة” كاتب وروائي مصري معاصر، يتميَّز بأسلوب أدبي يجمع بين الشعرية المكثَّفة والسرد الواقعي، وتنعكس في أعماله التجربة الإنسانية الفردية والجماعية، مع اهتمام خاص بالبعد النفسي للشخصيات وقضايا الحزن والغربة والفقد، إلى جانب النقد الاجتماعي والسياسي.
بدأ مسيرته الأدبية من خلال كتابة الرواية وأدب المراسلات، متأثِّراً بالنزعة الرمزية واللغة الشعرية، وتتنوّع أعماله بين الرواية وأدب المراسلات والمقالات الأدبية.
إنِّي إليكِ
وحين تُساءلُني بعشقٍ بالغٍ، بأرضِ الرَّافدين حبيبتي، وهي العليمةُ عنِّي بكلِّ سؤالٍ، أوجدتَ نفسَكَ بالعراقِ، وروحَها، أم أنتَ مازلتَ بحيْرةٍ ومُحالٍ؟
هذي الحقيقةُ، فاسمعي يا مُنيتي، فحبيبتي بحدائقِ بابلَ مُعلَّقةٌ، وأنا المفتونُ عشقاً أقتفي أثرَ الَّتي أغوتني بفتنةٍ ودلالٍ، وبنصوصِ جلجامشَ في رحلته صوبَ الخلودِ بكلِّ جدٍ أرتقي، وبطهرِ عشتارَ لتموزَ حين لشهوتها فارقتْ، وحضارة السّامريةِ حبيبتي نقشٌ قديمٌ لا ينمحي بزوالٍ.
وببئرَ بابلَ حيثُ أسقطتُ الرَّشا، ودفنتُ أشعاري عذبةً رقراقةً، وبعزَّةٍ لا تنكسرُ كجبالٍ
إنِّي إليكِ لا أحيدُ عن الطَّريقِ حبيبتي، وطني وصنوي أنتَ وجنَّتي، ومليكةٌ أهداها الإلهُ يخصُّني خلقاً فريداً ما له بمثالٍ.
أجابت حبيبتي:
أيَا عزيز عيني، ها أنا هنا بوتِّين قلبكَ، أسري بمجرى الدَّمِ، كما أنت منِّي وأكثر، أيَا رجلي وسيِّدي، وحين سألتكَ بعشقٍ كبيرٍ، هل وجدتَ نفسكَ بالعراقِ أم ضاعت خطاكَ؟ جاءني جوابُكَ كحدائق بابلَ المعلَّقةِ يحتوني، يضمّني، ولكن اعلمْ حبيبي ومهجتي، ستُّ نسائك خلقٌ فريدٌ لا شبيه لها، فأنا يا عمري لستُ نقشًا سامريًا تمحوه السنون، وتشيخُ ذاكرتُه عبرَ ممرَّات الزَّمانِ، أنا مَن نقشتكَ بحبٍّ عميقٍ في قلبها، ولم تنسكَ أبداً وإن انتزعوا روحي ونثروا دمي، أنا عشتارُكَ إن أردتَ الطُّهرَ لعشقكِ، وأنا تموزُكَ إن عدتَ لمملكتي مجدَّداً، وروحي فداكَ، وجسدي وطنٌ لا يخونُ على المدى.
يا صنو روحي، إن كنتَ تبحثُ عن الخلود كجلجامش، فخلودُكَ بعمقِ عينيَّ، وأنا دنياكَ وآخرتُكَ، وإن رميتَ قصائدَكَ ببئرِ بابلَ، فأنا البئرُ، وأنا الماءُ لديكَ وأنا الحبلُ.
أيا حبيبي، لا تَحُدْ عن الطَّريقِ، فطريقُكَ قلبي، ووطنُكَ حضني، ورضاي نجاةٌ لكَ، وإكسيرٌ لا يزولُ ولا ينتهي، أنا مليكتكَ التِّي أهداها لكَ الإلهُ وخصَّكَ، فاحفظْ بحرص صيارفةِ اليهودِ ميثاقاً غليظاً باسم الإله الذي جمعنا بحبٍّ بالغٍ، كما حفظتُ أنا لكَ عهدَ الهوى وميثاقَه، أحبُّكَ يا أنا.
سألوني بعمقٍ: أو مازلتَ حقًا تحبُّها؟
وهي تمرُّ طيفاً رقيقاً أمام عيني، تعانقُ روحي وتسري بين جلدي ودمي، ابتسمتُ كعادتي لطيفها الرَّقراقِ بعذوبتها وجمالها وأجبتهم:
ما أظنُّه أنِّي أحببتها بالأمس كثيراً، ولكن لا أشكُّ عشقاً أنِّي أحبُّها اليوم أكثرَ، ووفقاً لركن إيماني السَّابعِ أنِّي يقيناً أحبُّها أقلَّ من غدٍ، فكلُّ يومٍ يمرُّ علينا وإن انتزعوها منِّي جبراً دون حرِّيتي وإرادتي أحبُّها أكثرَ وأكثرَ.
أجابت حبيبتي:
أيا عزيزَ عيني، قرأتً كلماتِكَ، فابتسمتُ أنا أيضاً لطيفكَ وتعطَّرتُ بعبق حبِّكَ الذي مازلتُ على العهدِ أحيا به.
وماذا عن حبّي لكَ سيِّدي؟
أنتَ لا تمرُّ طيفاً أمام عينَيَّ، أنتَ تسكنها وتستقرُّ بعمقها، أنتَ لا تعانق روحي فقط، بل أنت هي لا تفارقها ما بقيت بأجسادنا حياةٌ.
ويقولون: إنَّ الحبَّ يقلُّ حتماً مع الأيامِ، مساكين! يتحدَّثون عن مدينةِ حبٍّ لم يجتازوا عتباتها يوماً، فحبّي لكَ يا عمري يكفرُ بكلِّ قانونٍ لا ينصُّ أنّك منّي، وأنّي لك النبعُ والفيضُ والارتواءُ
فأنا أحبُّكَ بالأمس لأنَّه كان معكَ، وأحبُّك اليوم لأنَّكَ معي، وسأحبُّكَ غداً لأنَّني لا أرى الغدَ بدونكَ، وإن انتزعوكَ منِّي جبراً، فاعلمْ أنَّها مسألةُ جسدٍ وقتَّيةٍ يعقبها لا شكَّ بحضرةِ الرَّبِّ اللِّقاءُ، حرمونا تلاصقَ غصنينا ولكنَّ قلبي ليس لأحدٍ سواكَ، وأمّا الرُّوحُ يا روحَ روحي فلك، وإلى ما بعدِ الفناءِ، فمازلتُ يا رجلي أسري بين جلدكَ ودمكَ بلا توقفٍ ، بلا انتهاءٍ، أحبُّكَ يا سيِّدَ كلِّ الرِّجالِ.
بقلم: علاء السيد محمد أبو شحاتة