رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : نهاية زمن التقاليد

جميع نظم الحكم في العراق الملكية والجمهورية عملت وحاولت التأسيس لتقاليد وطقوس كالاحتفالات والاناشيد وحفلات التكريم والمسيرات
والاعياد الوطنية وحتى احتفالات ميلاد القائد والنشيد الوطني والسلام الجمهوري،
ما يسمى عيد” الثورة” أو يوم تأسيس الحزب أو المؤسس،
إلا سلطة اليوم بلا برنامج ولا تقاليد وطنية بل خطوات ارتجالية معزولة بلا خطة تنمية شاملة مع انك تجد في كل علبة فاصولياء وشخاط ومعجون وغيرها تجد تعليمات عن الاستعمال والحفظ والمخاطر وامكان الرمي لكنك لن تجد شيئا من هذا في برنامج للنظام الحاكم كما تفعل الدول في برنامج تنمية محدد بسنوات.

النظام السياسي اليوم غير معني بخلق تقاليد وطنية
لغياب الدولة الوطنية في التأسيس والأصل نتيجة وعي دقيق في أن قصة هذا النظام زائلة لا تحتاج إلى تأصيل وتأسيس، لأنه مشروع نهب ولصوص عثروا على كنز عدا التقاليد الدينية المتوارثة.

ان التقاليد صناعة واختراع تخلقها حاجات مرحلية وليست أبدية وتطورها يعكس مرحلة من التاريخ كما ان تلاشيها له اسباب قد تكون خطرة ما لم ينتبه لها المؤرخ والمثقف كما يؤكد المؤرخ اليساري البريطاني أريك هويسباوم من انزه مؤرخي العصر واستاذ التاريخ في جامعتي لندن وكامبردج في كتاب” إختراع التقاليد ” .

حتى الحديقة العامة يعكس تطورها او تدهورها نوع النظام السياسي ونوع أقفال المنازل وحيطانها المرتفعة أو المنخفضة تعكس درجة الخوف أو الأمان.

ماضي أي شعب ليس موجوداً في بطون الكتب فحسب، كما في التاريخ التخيلي المروي رغبياً ، بل في التقاليد، ومن هنا ضرورة الانتباه الى اختفاء او بقاء التقاليد لانها قد تعكس تاريخا ملفقاً يتحول الى تقاليد وأعراف وقوانين وأخلاق ومؤسسات .

جميع تقاليد وطقوس واعراف وعادات واحتفالات نظم الحكم المتعاقبة إختفت تماماً لانها لم تكن استجابة لحاجات حقيقية اجتماعية وسياسية واقتصادية بل تلبية لحاجات ونزوات ورغبات جماعات مؤدلجة ،
مع ما خلفته من آثار ثقافية وسياسية وإجتماعية ضارة ومخربة،
لكن من مفارقات الوضع العراقي أن محلات بغدادية حافظت على تقاليدها وأعرافها وقواعدها وشعاراتها،
وصور مؤسسيها في حين تلاشت صور مؤسسي الأحزاب كافة من واجهة النظام العامة.

إن محل جبار أبو الشربت ومؤسسه المرحوم الحاج عبد الجبار عبد الحسين منتصف الستينات في نهاية شارع أبو نؤاس من جهة جسر الجمهورية وخلف مدرسة الراهبات،
لا يزال قائما منذ عقود ويديره إبنه علي عبد الجبار ــ أبو وطن،
بالنكهة الخاصة نفسها وتقاليد الخلطة نفسها من الزبيب الطبيعي، وكما للاحزاب المنقرضة فرع، للمحل فروع وتطور الى مطاعم فرعه الأول : مقابل لحوم محمد ديوان فرع الكرادة: الكرادة داخل – قرب تقاطع الأورزدي، والفرع الثاني مقابل مجمع الكرادة التجاري مقابل شارع العطار بالكرادة.

أما محل شربت أو” مرطبات الحاج زبالة” في شارع الرشيد،
ومؤسسه المرحوم الحاج عبد الغفور ـــ زبالة فلا تزال صور المؤسس تزين المحل كما تزين صور مؤسس محل جبار أبو الشربت،
في حين إختفت صور البعض من مؤسسي الأحزاب الثورية،
وبعضهم لم يحصل على قبر وتاريخ المحل هو تاريخ شارع الرشيد وبغداد،
ويتولى أحفاده اليوم إدارة المحل ومنهم محمد الحاج.

تأسس المحل عام 1900 أي قبل تأسيس الدولة العراقية عام 1921 التي إنقرضت مرات وظل المحل،
وهو تأسس قبل تأسيس نصف دول العالم العربي وكل دول الخليج.

كل من شرب منه من الزعماء والملوك إما قتل مثل الزعيم قاسم، وعبد السلام عارف، أو نوري السعيد أو صدام حسين ، أو أطيح به كالرئيس المصري حسني مبارك.

المحل مستمر حتى اليوم بالشعارات نفسها الجودة والثقة والنكهة الطيبة والخلطة السرية التي لم تتسرب كما تسربت كل أسرار وثائق الدولة العراقية منذ التأسيس وحتى اليوم.

أما مطعم باجة الحاتي فتأسس عام 1935 من قبل السيد إبراهيم العامري المؤسس وكان مكانه الأول شارع الشيخ عمر ـــــــــــــــ المكان المفضل لسكارى بعد منتصف الليل ــــــــــــ
بعد عام من تأسيس الحزب الشيوعي عام 1934،
قبل ولادة صدام عام 1937 ومن أشهر رواد المطعم رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي نوري السعيد وكذلك الزعيم عبد الكريم قاسم والرئيس عبد السلام عارف والكثير غيرهم،
ولا حاجة للتذكير أن هؤلاء قتلوا جميعاً.

بعد وفاة المؤسس المرحوم ابراهيم تولى ابنه قحطان إبراهيم الحاتي ادارة فروع المطعم. للمطعم فروع أيضاً، اشهرها:
مطعم باجة الحاتي في منطقة الكرادة في بغداد قرب المسرح الوطني اليوم.

في كل نظم العالم هناك تقاليد وطنية وتاريخية متوارثة يجري الاحتفال بها في روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى،
لأن الانسان دون أن يتموضع في تاريخ وذاكرة ورموز وجذور يبقى معلقاً،
وأول عمل قامت به سلطة الاحتلال لخلق هوية جديدة وتاريخ مغاير هو محو ونهب الاثار وحرق السجلات وتغيير اسماء الشوارع لالغاء الذاكرة العامة مخزن التاريخ والتقاليد وخلق ذاكرة وثقافة مختلفة لكي يخلق فقدان الهوية ولا يعرف من هو بل يُلبّس بشخصية جديدة كمعطف وهذا اغتيال ان تفرض على انسان شخصية ليست من طبيعته وذاكرته وتاريخه.

لكي نختتم هناك مبولة عمومية في الباب الشرقي على رصيف بين سينما غرناطة وحديقة الأمة تأسست في العهد الملكي وزالت الملكية ومعها جمهوريات انقلابات الستينات،
والمبولة قائمة حتى اليوم: مفارقة عجيبة ومثيرة للسخرية
في أن آيديولوجية متسلطة تزول ومبولة تبقى؟
ما نوع هذه الايديولوجيا؟

تاريخ العراق القرمزي يبشر ألا قداسة ولا بطيخ في تاريخنا الحافل بالانقلابات،
وهناك لحظة تراكم الوجع والصبر طويلة عندما يصلها العراقي يشق” زيج الثوب” من الطول للطول هو الانسان الوحيد في الارض الذي يفعل ذلك بعد نهاية الصبر وانفجار الغضب، لحظة الخاسر كل شيء الذي تصبح عنده لحية الشيخ مكنسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى