
سَكْرَةُ الجَمَالِ بَيْنَ سُكُونَيْنِ
حين يُحِبُّ اللَّيْلُ
أنا ابنةُ اللَّيْلِ، ورَفِيقَتُه،
حين يُغْلِقُ النَّهارُ فَمَهُ ويَخْتَبِئُ، أَخْرُجُ أنا من بَيْنِ رَمَادِهِ،
أَخْلَعُ عن روحي الأقفالَ، وأَدْخُلُ إلى حُرِّيَّتي كمن يَعودُ إلى رَحِمٍ يَعرِفُهُ.
حين يُصْبِحُ السَّوَادُ نافِذَةً لا جِدارًا،
ويَغْدُو الصَّمْتُ موسيقى تُعْزَفُ في تَجاوِيفِ رُوحِي، لا على أَوْتَارٍ مُصْطَنَعَة،
أَعْرِفُ أَنَّني وُلِدْتُ لِأَعْشَقَ في الظِّلِّ، لا في الضَّوْءِ.
لا أَبْحَثُ عن الشَّغَفِ… بل أَخْلُقُه،
ولا أَطْلُبُ القُبْلَةَ… بل أَكُونُها.
كُلُّ قُبْلَةٍ مني حَرْفٌ، وكُلُّ لَمْسَةٍ من أَصَابِعي قَصِيدَة،
بَيْنَ يَدَيْهِ فقط .. كُنت كِتابٌ يُفْتَحُ كُلَّ مَسَاءٍ، ولا يُطْوَى.
عَرَفْتُ على يَدِ اللَّيْلِ أنَّ الجَسَدَ مِرْآةٌ لِلرُّوح،
وأنَّ الشَّهْوَةَ حين تَصْعَدُ، تَصِيرُ دُعَاءً،
تَصِيرُ مَقَامًا لا يُلامِسُ فيهِ الجَسَدُ الجَسَدَ، بل تُلامِسُ فيهِ الأرواحُ نَفْسَهَا.
تَعَلَّمْتُ أنَّ الشَّغَفَ لا يُفْتَعَلُ، بل يُولَدُ،
وأنَّ بَعْضَ اللِّقَاءَاتِ لَيْسَتْ لَحْظَةً، بل عُمْرٌ كَامِلٌ يُقَامُ في ثَانِيَة.
أنا تِلْكَ التي تَتَهَنَّدَمُ لِحُضُورِ اللَّيْلِ كَمَا تَتَجَهَّزُ العَرُوسُ لِحَفْلِهَا،
أَتَعَطَّرُ، أَتَهَذَّبُ، أُرَتِّبُ شَهْقِي كَمَا يُرَتَّبُ الشَّعْرُ في جَدَائِلِ المَطَر،
لأنني أَعْرِفُ أنَّ اللِّقَاءَ لَيْسَ جَسَدًا فَحَسْب،
بل طَقْسٌ من جُنُونٍ، وشِفَاءٌ لا يُطْلَبُ.
في اللَّيْلِ فقط،
أَدْعُوه… لا بالاسْمِ، بل بالإِحْسَاسِ،
فَيَجِيءُ.
يَعْرِفُ مَوَاقِيتَ رَعْشَتِي، يَقْرَأُ تَنَهُّيدَتِي،
ويُعَلِّقُ رُوحِي على مَعَارِجِ اللَّذَّة… لا لِتُفَارِقَ، بل لِتَصْعَدَ.
لا أَكْتُبُ، لأُغْرِي، بل لأُضِيءَ،
لأنَّ اللَّيْلَ يَسْتَحِقُّ،
ولأنَّ بَعْضَ الأرْوَاحِ لا يُقَالُ مَقَامُهَا بَيْنَ دَوْزَنَةِ شَهْقَةٍ وَأَنِينٍ إِلَّا حِينَ يَسْدِلُ القَمَرُ عَبَاءَتَهُ على عَوْرَاتِ النَّهَار.
أَقِيسُ لَهْفَتِي بِسَكْرَةِ جَمَالٍ بَيْنَ سُكُونَيْنِ،
ولَذَّةٌ في السَّلَامِ حين يُوَشَّحُ الجَسَدُ بالطُّمَأْنِينَةِ، لا بالزَّيْف،
طَيْفٌ أنا لا أُشْبِهُهُ إِلَّا اللَّيْل…
ولا أَكْتَمِلُ إِلَّا حِينَ أُحِبُّ،
شَرِهَةٌ حين أَعْشَقُ… شَرِسَةٌ حين أَنْسَى.