الأحد , سبتمبر 19 2021
أخبار عاجلة

د. محسن عبدالخالق يكتب : تَارِيخٌ تَحتَ الطَّبع

هناك لحظات نادرة فى حياتنا نتمكن فيها من أن نشاهد التاريخ أثناء صياغته ، ولقد شاء القدر أن أعيش هذه اللحظات داخل ” الأهرام ” أثناء صياغة التاريخ وقبل اعداده للطبع .
وإذا كانت الصحافة هى اول ” مسودة ” للتاريخ ، فإن الأهرام ” تاريخ تحت الطبع ” ..
وأشهد أنى كنت محظوظا إذ أتاحت لي الظروف أن أعمل فى عصر العمالقة ، وأن أكون تلميذا مقربا من هذه المجموعة الضوئية من المفكرين ، وقادة الفكر ، والشوامخ من الكتاب ، والأدباء ، والشعراء ،والصحفيين ، والباحثين عن الحقيقة ، فى سنوات الوهج المعرفى حين كانت الثقافة المصرية تسير بمحاذاة السحاب ..
هذه هى سنوات التوثب التى كنت احاول فيها أتعلم كيف اخلق لنفسى موقعا فى اللغة ، وأن أحفر لنفسى فيها موضعا .
كان أول ما تعلمت هو عشق الأحجار الصماء فى ” الأهرام ” ، وان ” الأهرام ” ليس مجرد مبنى بالمعنى المألوف فى عملية البناء ، طابق يرتفع فوق طابق تحته ، شاده فريق من البنائين العظام ، ليصبح احد زخائر العمارة فى العصر الحديث فحسب وإنما ” فكرة هندسية ” مطبوعة على الأرض ، وصورة رائعة من صور ” الأبهة المنطقية ” للتاريخ مدونة فى ذاكرة الزمان ..

تلمع برقا فى خواطرى الآن تلك اللحظة الأخاذة التى بدأت مع اليوم الأول حين وضعت قدماى على مدخل هذه المعشوقة الخالدة فصار بينى وبينها علاقة عشق تحرك كل شىء لكى يكون حبا .
أحيانا أفكر فى هذه اللحظة كأنى أحلم ، وأحيانا أخرى أحلم بها كأنى أفكر ..
كانت البداية أن تعلمت كيف أسمع فى خشوع ، وأن الصمت لحظة من لحظات الكلام ، وأن القراءة نوع من الصلاة ، أقرأ كأنى أصلى ، وان أقف من الكلمة وشعائرها موقف الخاشع ، وإذا كانت القراءة عمل من أعمال العبادة ، فإن الكتابة عمل من أعمال السيادة ، وأن من لا يقرأ لا يضيع منه وقت فحسب ، وإنما يضيع منه عمر ، بل تضيع منه حياة ..
تعلمت كيف أختار أساتذتى ، وكيف أختار كتبى ، وأن أفضل قراءة الكتاب الذى يسهر صاحبه على ” صحة اللغة ” ، وان اللغة تمتحن القلم الذى يكتب بها ، وأنه اذا أردت أن تعرف كاتبا عليك أن تقيم فى لغته ، تعلمت أنه لا يليق بالمثقف إلا أن يكون ناقدا ، وأن النقد الذى يضىء أداة تقدم ، وأن هناك فرق بين النقد الذى يمهد الطرق ، والقذف الذى يعمق الجراح ، وأن هناك جراح تلتئم لكن تظل اوجاعها تحت السطح ، عرفت كيف يكون الصمت ردا فى إطار من الترفع والعفاف على ما يثار من مهاترات ..
وفى ” برج الحكماء ” بالدور السادس ، رأيت كيف تتخلق الأبجدية ، وتعرفت لأول مرة على الكتابة بأسلوب أقرب إلى الضوء ، وصياغة الكلمات بالظلال ، وعلى من يسير بأفكاره فوق سطح الضوء ، عرفت من يستخدم كلماته من الزجاج المعشق ، ومن يكتب بأسلوب أقرب إلى الأرابيسك وفن الخزف والمنمنمات ، وعرفت من كانت حروف كلماته مشغولة من الحلى ..

فى ظل هذا الإيقاع الموسيقى للثقافة الرفيعة وداخل قاعة هذا ” الكونسير ” تفتحت لدى كل ملكات الحس ، والشعور ، والتفكير ، وعرفت كيف اصل إلى الأعماق السحيقة فى نفسى ، وأن أطول رحلة فى حياة الإنسان هى الرحلة إلى الداخل ..
ومع الأيام ، والساعات ، والدقائق ، كنت ازداد اقترابا وتوثقت بينى وبين هؤلاء الشوامخ حتى صرت تلميذا صديقا لهذا العنقود المضىء لكل من توفيق الحكيم ، نجيب محفوظ ، زكى نجيب محمود ، حسين فوزى ، لويس عوض ، يوسف ادريس ، صلاح جاهين ، صلاح طاهر ، بنت الشاطىء ، لطفى الخولى ، وغيرهم ممن شاركوا فى ترسيم الحدود الفكرية ، والأدبية ، والنقدية ، وبسطوا نفوذهم على خارطة الثقافة العربية ، أولئك الذين أعطوا مصر تأثيرا مزلزلا لتنتصر بقوة الرمز التى أعطتها الثقافة الأصيلة لقوة التأثير ..
ومع احتفال ” الأهرام ” العتيد بذكرى صدوره لا ينسى أبناءه العظام الذين مضوا وتركوا وراءهم تجربة فى صناعة التاريخ ومعها ثقافة استوعبت عصور من شراكة الحضارات ..
وفى هذا السياق لا أنسى لحظة ان تندت بالدمع عينى حين انتقلت من ” الأهرام ” تلميذا ، إلى جامعة القاهرة أستاذا لأواصل دورى فى خدمة بلادى ..
ان تيار التاريخ لا يتحقق اثناء النوم ، وكذلك ” الأهرام ” تاريخ ساهر لا ينام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: