عبد الغني شولي يكتب..”كورونا النظم”

كورونا النظم

عبدالغني شولي

مقال نقدي

(النظم بالطن والشِّعر بالقيراط )

لم أجلبِ العنوان من فراغ لأن من مايحدث حالياً جائحة سببها خُفاش العلاقات العامة وفيروس المجاملة على حساب الأدب والفن

فلو جئنا بألف ناظم وغُربلوا

ما تبقى سوى العشرات شعراء ودونهم نظَّامون .

ماذا لو لم يكن لدينا سوى من تبقوا لدينا بالغربال ؟

وهل وجود ألف ناظم يساهم في إثراء الذائقة الجمالية أم العكس ؟

ماذا لو لم يكن لدينا سوى عشرات الإصدارات الذي فيها من جواهر الشعر ما يروي ذائقة عشاق الشعر

بدلاً عن مئات إن لم يكن آلاف الإصدارات

ذات االمجلّدات الفخمة الخالية من الشعر والفكر والفلسفة؟

لماذا لا يكون جميع القرّاء نُقَّاد ؟

للذود عن الشعر جائحة النظم ، وإقناع النظّام أنهم ليسوا شعراء مالم يتطوَّروا لأن النظم لا يصنع شعراً ؟

لكلّ ماسبق يجب مراجعة وفهم محورين هما:

– الشاعر .

– الشعر .

أولاً : الشاعر .

لنأخُذ نظرة عن النظَّام أولاً .

الغاية: نظم قصيدة لا ترجمة عواطف .

يحسب كل قافيةٍ يجود عليه بها القاموس دُرّةٌ فريدة .

ينظم أول قصيدة فترى المنتديات الإلكترونية قد فتحت صدرها له وجهزت له لقب النابغة وأقل لقب الشاعرالكبير …إلخ .

والمصيبة أن صاحبنا النظَّام يصدقهم

عندما يطلقون عليه هذه الألقاب .

ويذهب ليقتل وقته ودماغه في صيد القوافي المتطايرة من هُنا وهناك فيرصف الكلمات ويحاول أن يقنعنا أنه حلم أحلاماً ويصف عواطف لا علاقة له بها من قريب أو من بعيد .

فنراه يبادر من تلقاء نفسه ليشارك بقصائد في كل ما يطلب منه وهنا أقول له .

أنت إمَّا نظّام عن جدارة .

أو شعرور يسقط في فخّ النظم .

فأما الأول أقول له لا بأس عليك ستنظم قصائد ليست من الشعر في شيء ك (نونية فُلان) في شرح نواقض الوضوء ،و (لامية علّان) في قواعد الجبر و الهندسة وسأنصحه “يشوف له مهرة “والمقال هذا ليس لك .

 

والثاني يجب أن تتطور أكثر “إقرأ كثيراً

واكتب قليلاً بصدق وبلا تَصنُّع لست ناطق إعلامي

ولا محرر إخباري أو مشجع رياضي

أو رجل دين لتشارك في كل شاردةٌ وواردة .

لأن الشاعر لا يكتب إلا مدفوعاً بعامل داخلي لا سلطة له عليه فهو عبد من عباد هذا العامل فيعتكف على تطريز الألفاض والقوافي بعناية فائقة .

لن أطلب منك العيش بعيداً عن أتراح الناس وأفراحهم في برجك العاجي “تتغزَّل بسراويل جارتك “كما قال أحد الرّفاق .

بل أطلب منك أن تصبح :

راهبٌ في محراب الفن وكاهنٌ في صومعة المشاعر الصادقة ؛ يتصوَّف على مدار العام في محراب الجمال ، ففي فصل الربيع تُزهر أفكاره وتترعرع حتى يعودُ الصيف يسقيها بشلالات النقاء فتنموا ولكي يتأكد أنها قادرة على الصمود يعرضها على هجير الشمس وصقيع الليل شتاءاً حتى يجفّ منها البهرج الخادع وتتساقُط القشور اللذي لافائدة فيها إذا حان الخريف فلا يتبقى منها سوى عُصارة أفكاره الخالدة يأتي فيقدمها كقطعةٍ من روحه يوهبها للناس فتحفظها عن ظهر قلب وتورثها لأبنائها جيلاً بعد جيل كنقشٍ سبئي .

إذا أصبحت كذالك قد تصبح شاعراً .

فالشاعر كما قال عنه ميخائيل نعيمه

في كتاب الغربال :

“هو من روحه تسمع دقات أنباض الحياة

وقلبه يردد صداها ولسانه يتكلم بقلبه .

تتأثر نفسه من مشهد يراه أو نغمة يسمعها

فتتولد في رأسه أفكار تزدحم بالليل والنهار بالحلم واليقضة فتمتلك كل جارحة من جوارحة

حتى تصبح عبئاً يجب التخلص منه .

وهنا يرى نفسه مدفوعاً إلى القلم ليفتح مجالاً لكل مايجيش في صدره من الانفعالات وفي رأسه من تصورات لايستريح تماماً حتى يأتي على آخر قافية فيقف هناك وينظرإلى ماسال من شفرتي قلمه أمامه كفلذةٍ من ذاته وقسم من كيانه ينظر له كما تنظر الأم إلى الطفل اللذي سقط من بين أحشائها” .

 

ثانيا : الشعر .

متى نفهم أن الشعر ليس نشرة أخبار أو أطلس العالم وليس أساطير شعبية أو هروب من الواقع وليس تطبيل أو نواح مدفوع أو هجاء ….الخ ؟!

ألشعر أحبَّتي أكبر من ” فذلكة” ألفاظ وصور

مستهلكة في نفس الموضوع اللذي قد سبق أليه الآخرون؟

لذى واجبنا كقراء وشعراء في آنٍ واحد

تمييز الشعر عن النظم .

فرُبّ جملةٍ ذات تنسيق بها من الشاعرية

ما ليس في معلقة كاملة أو ديوان منظوم؟

وربّ إصدارٍ كامل ،ليس فيه من الشاعرية

سوى النزر اليسير بل تكاد تكن معدومة .

ستسألونني

-كيف عرفت ذالك وحكمت على تلك بإفلاس الشاعرية ؟

سأجيبكم كمتذوق شعر .

جوهرة التاج عندي هي التمييز بين الشّعر والنظم .

ولاينجح التمييز سوى بالدهشة .

– الدهشة بانتقاء الألفاظ المناسبة لنوع الموضوع ،

، الحبكة المتماسكة بطول النص ، الإتيان بجمال كالتّمرد على البحور بطريقة ذكية ، لكتابة نص غنائي..إلخ

الدهشة أعزّائي هي اللغة الشعرية التي يرقص على أيقاعها القلب ويجري على عذوبتها الدم في الوريد ، وسر الخلود في تاريخ الشعر والشعراء ،

وحدها الدهشة من جعلت نزار لا يُشق له غبار وأسقطت مئات غيره في لُجج النسيان على الرِّفوف .

أمّا عن الشعر بمنظوره الواسع

يقول أديبنا ميخائيل نعيمة في كتابه الغربال :

“كلنا يتكلم عن الشعر، بعضنا يؤلهه والآخر يعشقه والثالث يقرضه والرابع يقتات ويتنفس به .

فهذا يشحذ ذاكرته بالمعلقات واللاميّات والنونيات ويرددها في وحدته ويتلوها على مسمع اصحابه .

وذاك يكتب القصيدة بعد القصيدة ويستعد لأن ينشر دُرر أفكاره في ديوان ولا ديوان أبي الطيب .

والآخر الذي لم يعلمه أبواه (الف باء) يتغنى بما سمع

فجميعنا يعشق الشعر ولاغرابة فنحن من سلالة قومٍ إذامات فيهم شاعرٌ قام شاعر .

كلنا يتكلم عن الشعر كأننا نعرفه كما نعرف أنفسنا

أو كما نعرف الخبز والماء والثوم والبصل .

ولو اجتمعت زمرةٌ من عشاق الشعر بيننا تتحدث لوجدت هذا يعني بالشعر الكلام الموزون المقفى وذاك عنده ليس شعراً كلما يفهمه القارئ دون الرجوع الى القاموس .

ولهذا فإن جهلنا بمعنى الشعر الحقيقي ومنزلته في عالم الأدب قد أوصلنا إلى مانحن فيه الآن من وفرة النظامين وقلة الشعراء وغنائنا بالقصائد وفقرنا بالشعر

وهناك جيشٌ غفير ممن حاولوا تعريف الشعر ولكن لا أحد اهتدى إلى تعريف شامل للشعر لأن الشعر غير محدود .

 

ولكن لو ألقينا نظرة سطحية على التعاريف المتوفرة لوجدناها مع كل مافيها من الاختلاف الظاهر في التعبير تدور حول نقطتين جوهريتين :

– قسم منها ينظر للشعر من جهة تراكيبه وتنسيق عباراته وقوافيه وأوزانه .

– وآخر يرى في الشعر قوة مندفعة الى الأمام قوة حيوية قوة مبدعة .

والشعر في الحقيقة ليس الأول وحده وليس الثاني فقط بل هو كلاهما .

* إذاً هو غلبة النور على الظلمة والحق على الباطل .

* هو ترنيمة البلبل ونوح الورق وخرير الجدول وقصف الرعد .

* هو ابتسامة الطفل ودمعة الثكلى

وتورد وجنة العذراء وتجعد وجه الشيخ .

* هو جمال البقاء وبقاء الجمال .

* الشعر لذة التمتع بالحياة ،والرعشة امام وجه الموت.

* هو الحب والبغض والنعيم والشقاء.

* هو صرخة البائس وقهقهة السكران ولهفة الضعيف وعُجب القوي .

* الشعر ميلٌ جارف وحنين دائم إلى أرضٍ لم نعرفها ولن نعرفها .

* هو انجذاب أبدي لمعانقة الكون بأسره والاتحاد مع كل ما في الكون من حيوان ونبات وجماد

الشعر هو الذات الروحية تتمدد حتى تلامس اطرافها اطراف الذات العالمية .

* الشعر هو الحياة باكيةٌ وضاحكة ،وناطقةٌ وصامتة ومولولةٌ ومهلهلة، وشاكيةٌ ومسبحة ،ومقبلةٌ ومدبرة .

* الشعر رافق الانسان من مهد حياته وتدرج معه حتى ساعته الحاظرة من الهمجية الى البربريةالى الحضارة إلى مدنية اليوم .

* ترعرعت الانسانية والشعر سميرها ومعزيها ومشجعها ومقويها رافقها ويرافقها في الحل والترحال في العمل والبطالة والبؤس والرخاء والحرب والسلم والوفرة والقلة .

– تعرفه ابرة الخياطة ومطرقة الحداد وميزان البناء ومفرس الفلاح ومحراث المزارع ومنجل الحاصد .

– تعرفه خلوات النساك وقصور الملوك وأكواخ الفقراء .

– تعرفه القلوب المنكسرة والمجردة من افراح هذه الدنيا والقلوب المفعمة بملذات العالم وشهواته .

– تعرفه روح العذراء وروح المومسة .

– تعرفه العيون الدامعة والعيون الضاحكة والوجوه الشاحبة والوجوه الباسمة .

أعراسنا ليست كاملة الابه وامواتنا لا يُلَحَّدون من دونه

ترنيمة واحدة ترسل الجندي الى معارك الفناء كالذاهب إلى عُرسه .

ونشيد واحد يخفف على الملاح حربه مع اللجة المزمجرة والامواج المتطاحنة .

هاجسٌ لا ندري في قلب من اختمر ولسان من نطق به أولاً يرددهُ آباؤنا ونلحنه نحن بعد مئات من السنين هاجس بليت عظام قائله من أجيال يخترق سكينة وحدتنا ويحرك السنتنا فتخفق قلوبنا إما فرحا او حزنا

ويختلس من أعيننا دموعاً أو يبسط على وجوهنا إبتسامة اللذة والسعادة .

قصيدةٌ أنشأها منذ عشرات القرون

بدوي يدعى إمرؤا القيس أو عنتره أو المهلهل

أو قيسٌ العامري نطالعها اليوم

ونعجب بها ونطرب وتهتز عواطفنا ونحفظ ابياتاً مختلفة كأنها من بنات أفكارنا أو مستودعات قلوبنا .

فعندما نسعى وراءغايةً ولا ننالها نقول بتلقائية

_ماكل ما يتمنى المرء يدركه

تأتي الرياح بما لاتشتهي السفنُ_

أو نصادف في الطريق من سَوّد اليأس قلبه

وبدّل النور في عينيه ضلاماً خانه دهره

فأصبح يمقت يومه ويخاف غده فنعزيَه .

_دع المقادير تجري في أعنّتها

ولاتبيتن إلاخالي البالِ

مابين طرفة عين وانتباهتها

يغير الله من حال إلى حال _

أو نسمع غبيا يفاخر بأجداده

فنقول .

_لا تقلْ أصلي وفصلي أبدا

انما أصل الفتى ماقد حصل _

والسؤال .

لماذا نحفض هذه الأبيات أو تلك القصائد أو ذالك الموال ونترك جبالاً من القصائد التي لو قرأناها مرّة لشكرنا الله على نجاتنا بالسلامة؟!!!

الجواب .

لأن هذه الأبيات أو القصائد أو الموالات إمَّا

تُفَسِّر لنا الحياة بتعبيرها عن حالات نفسية

نشعر بها ولكننا نعجز عن سبكها في قالب من الكلام .

وإمّا تنقش في مُخيّلتنا صورةً نُحبُّ أن نتمتع

بجمالها كما نحبّ أن ننظر إلى وجه جميل

وبدر تمام وشمس تغرب

وزهرة في المرج تنحني مع مرور النسيم .

نحبّ كذالك موسيقى اللفظ وفصاحة التعبير

وسلاسة التركيب كما نحب أن نسمع

إلى تموُّجات الأثير التي ترسلها أوتار الكمنجة

إذ يُلامسها القوس في يد استاذ ماهر .

ألكثير بيننا إن لم نكن كلنا

لم نُعطى موهبة ترجمة القلوب والأرواح والطبيعة .

لذالك كثيراً مانضطر أن نعبّر عن عواطفنا واحساساتنا بألسنة الغير .

كلنا لسنا موسيقيين أو مصورين

لذالك ندع الغير من حينٍ إلى آخر يقومون

بسد حاجاتنا الموسيقية والفنية بدلاً عنا .

وفيما سبق دحض لحج من يحطّوا من مقام الشعر وينزلوه من مملكته الإلهية إلى مملكة النسيان والخمول .

أمثال تولستوي وسواه عندما حاولوا عبثا

فعظموا آفاته وصغروا من محاسنة

ونهو عن صرف الوقت في قرضه .

فمادام الإنسان إنساناً ، مادام فيه ميل فطري إلى الغناء إن كان في الحزن او الطرب ومادامت اللغة واسطة لتوصيل أفكاره وترجمة عواطفة وآماله ومشاعره ، فسيبقى الشعر من حاجاته الروحية

لأنه في الشعر يُجسّم أحلامه عن العدل والخير والجمال والحق ،

وفيه يرسم الحياة التي تعشقها روحه

ولاتراها عيناه ولا تسمعها أُذناه بين أقذار العالم ودأبه اليومي وهمومه الصغيرة ومشاكله الكبيرة”.

إلى اللقاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: