السبت , نوفمبر 28 2020

نادر الرنتيسي يكتب ……من “نصف السيرة”.

تذكُرُ جيِّداً متى استحدثتَ في بالكَ الطويل غرفةً للخَيال. أغلقتَ بابَ الغرفة المشتركة مع شقيقة وثلاثة أشقاء، في غيابهم المدرسيِّ؛ فاعتقادكَ الضخمُ أنكَ استثناء تواطأت معه إدارات ثلاث مدارس في جبل الأمير حسن، فميَّزتكَ عن أشقائكَ بأنْ جعلتكَ دائماً في الفترة المعاكسة. في العام الثاني من العقد التاسع، اقترفتَ آخر جنحة، فوضعتَ في كيس ملابسكَ الأسود وأنتَ عائد من بيت جدِّكَ في “صويلح”، كتابَيْن ضخمين بغلاف كرتوني سُكَّريٍّ، ودخلتَ من الغرفة المشتركة إلى غرفتكَ المنفردَة، وقرأتَ “الجريمة” المروِّعة التي اقترفها الطالبُ “راسكولينكوف” بالمُرابِية. أصابتكَ الحمَّى، وأنتَ تتخيَّل كوابيسكَ من “المجرم” المستجدِّ، فأقلعتَ عن القراءة، وستعود إليها بعد سنتين لتعرفَ “العقاب” الذي تستحقه جنحتك!

كنتَ تقرأ سيرة “السيَّاب” في ديوان ثقيل بحجم كفِّكَ الصغيرة، عندما استبدلتَ السرقة بـ”الاستعارة”، فعرفتَ أنَّ الكآبة تبدأ أسفل نخلة في “جيكور”، بحظّ قليل في الوسامة، وحبِّ أيِّ امرأة تدخل القصيدة دون قصدٍ منها، ثمَّ تورَّطتَ بقراءة ضرورية لـ”أحمد مطر” كالطريق الإجباريِّة، عندما اعتقدتَ مخدوعاً لفترة قصيرة أن السياسة كلامٌ موزون بصرامة، وقوافٍ متقاربة، وشتائم متباعدة، وتلصَّصْتَ كالصبيِّ المتغاشم على نساء “نزار قبَّاني”، لما اقتنيتَ أول ديوان بدينار من نصفين معدنيَّيْن، أدخلته إلى البيت كالبضاعة المُنْكرة، وخرجتَ من “المدرسة النزارية الأساسية” بأنْ قفزتَ عن سورها المنخفض، ودخلتَ مرحلة التعبئة الثورية الإلزامية لتحرير فلسطين من النهر إلى الشِّعر، ثمَّ اكتفيْتَ بـ”محمود درويش”.

تعبر من الغرفة إلى غرفتكَ العالية، معكَ روايات “نجيب محفوظ” الدرامية تقرؤها حتى تتقنَ دروس المطالعة الملوَّنة بلا أخطاء ساذجة، وستخرجُ من عالمه كما يغادر محدث النعمة مسقط الرأس، وتستبدله بـ”أسامة أنور عكاشة”؛ هذا المصريُّ بلا محسِّنات لغوية، سيكتبكَ في أربعة أجزاء، لكنَّ “اسماعيل عبد الحافظ” ارتأى أن يسند الدور إلى ممثل كئيبٍ، غريب عن ملامحكَ، هو “ممدوح عبد العليم”، وإلى الآن ما زلتَ على اعتقادٍ أنَّ خطأ ما في ترتيب اسمكَ جعل “علي” مقطعاً ثانياً. تحملُ معكَ خرائط “عبد الرحمن منيف” لأقبية سوداء في شرق المتوسط، في مجلد يحمل اسماً مؤقتاً “الآن.. هنا”، وتتوقف اضطرارياً في عالم لم يعد لـ”غسان كنفاني” تبدأ كالآخرين بـ”أرض البرتقال الحزين”، وتعتقد أنكَ وحدكَ من انشغل في النهاية بالإجابة عن السؤال الروائيِّ الشائك: “منْ قتل ليلى الحايك”؟!

كانت لديكَ أسئلة معاصرة لم يجب عنها أستاذ التاريخ، فأفرغتَ الجزء السفلي من “نملية” في المطبخ كدَّستْ أمُّكَ فيها أعداد مجلة “اليسار” المصرية، و”العامل” الكويتية، لتدرك متأخراً مقدمات “مؤتمر مدريد” والمآلات الحقيقية لـ”حرب الخليج الثانية”، وكانت لديكَ استجابةٌ وراثية للتطور الماركسيِّ، فشاهدكَ والدكَ وأنت تتأبط كتباً بدرجات الأحمر: “الدولة والثورة”، “ما العمل”، “ما هي الشيوعية”، وعندما أعدتَ الكتب إلى رفِّها، سألكَ والدكَ عمّا فهمته منها أو من ملخصاتها، فأجبتَ كما تجيب كذباً حين يسألكَ عن المسائل الحسابية البسيطة بأنكَ استوعبتَ كلَّ ما قرأته، لكنَّ كلمة واحدة استعصت عليكَ، وكانت تتكرَّرُ في نهاية بعض الفقرات، ولا فائدة منها. ضحكَ أبوكَ، ثمَّ حرصتَ فيما بعد على أنْ تستنجد بـ”المُنجد”؛ وهكذا “هلمجرا”!

 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: