
في مقابلة من حلقات بعنوان” مع هيكل” على قناة الجزيرة مع الكاتب محمد حسنين هيكل قال انه كان مدعواً لمأدبة غداء في باخرة ــــــــــ يخت ــــ بدعوة من السفير الأمريكي ووجد شاباً لم يكن معروفاً كشخصية سياسية وعندها عرفه السفير الأمريكي مبتسماً:
” هذا رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان القادم”.
بعد عشر سنوات صار رفيق الحريري رئيس وزراء. تلك هي الطريقة الامريكية في الزرع البعيد وهناك مصنع منتج لهذه الشخصيات ويتم الاختيار بناء على أسس منها الطاعة المطلقة للمشغل وتسهيلات اختراق الطبقة السياسية وعدم الاقتراب من النخبة ومن الضجيج الاعلامي لكي لا يحترق بحيث يكون ظهوره صدمة وحدثاً.
لا يصرح ولا يدخل في حوارات سياسية لكي لا أحد يعرف ماذا يدور في عقله وكل ذلك لأجل بناء سيرة ذاتية بيضاء في وسط نخبة فاسدة لكي يتم تفعيله في لحظة مفصلية وفي بداية سلطته تجري عملية تلميع طويلة وتأثيث سيرة ذاتية لقديس سياسي وسط أبالسة.
عندما يفقد الشعب ذاكرته الجماعية يفقد تسلسل الاحداث والترابط المنطقي وتظهر الاحداث كمفاجآت مما يجعل المجتمع عاجزا عن الفهم ومشوشا وبلا روابط منطقية واسباب ونتائج وتسلسل أحداث من خلال ذاكرة حية يسهل تزييف الوعي وبلا ذاكرة تصبح كل أزمة هي الأولى وكل حدث قديم يبدو جديداً.
لقد تم فرض برهم صالح على حزب الاتحاد الوطني كعضو قيادي في إجتماع عاصف بعد عام 1993 في مؤتمر عام في السليمانية، وعندما عمت الفوضى والصخب والاستنكار في القاعة،
ورفض عام أن يكون هذا المدلل الناعم ممثل الحزب في واشنطن عضواً قيادياً وليس من تقاليد الحركة الكردية أن يكون قائداً من لم يصعد الجبل في حياته ويحمل السلاح، حسم جلال الطالباني خبير الدهاليز النقاش قائلاً:
” إختيار برهم صالح قصة حياة أو موت، وهي رغبة “أصدقاء”…الخ”.
وصلت الرسالة كشفرة صدئة قاتلة وفهموا لغة الطالباني المشفرة وخرسوا جميعاً، وصار برهم ممثل الحزب في واشنطن،
وتولى المنصب عشر سنوات تم إعداده ” كزرع بعيد” على طريقة تصنيع الجواسيس ليوم قد يطول وصار رئيس الجمهورية بعد الاحتلال عام 2018.
كل ما على الجاسوس أن يسبت ويكمن وفي لحظة ما حتى يتم تفعيله،
وهي طريقة شائعة في وكالات المخابرات وتعرف بالزرع البعيد. ثم عُين برهم صالح، الرئيس العراقي السابق، مفوضاً سامياً للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كما هو الحال في جميع الهيئات القيادية لمنظمات الامم المتحدة تحت السيطرة الامريكية.
هناك مدرسة لاعداء وتأهيل هؤلاء لسنوات طويلة وقد صرح روبرت فورد أخر سفير أمريكي في سوريا في نظام الأسد ونائب السفير الأمريكي بعد الاحتلال في بغداد في محاضرة في بالتيمور الأمريكية إنه من درب الجولاني على السلطة.
حكاية ” الزرع البعيد” في العراق ليست جديدة وسبق أن تمت صناعة وكلاء للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية في الانقلاب على الزعيم قاسم عام 1963 وسلسلة انقلابات الستينات وانقلاب نظام البعث عام 1968.
منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم، العملية نفسها في العراق خاصة، للأسباب نفسها، لكن المتغير الوحيد طريقة صنع وتسويق البضاعة على جمهور منهك ومستنزف من طبقة فاسدة مع حملة علاقات عامة بالمدافع الثقيلة عن انجازات ومكاسب وخطوات قادمة لبناء مستقبل أفضل والانسان بطبيعته يحب أن يكن الغد أفضل من اليوم في عملية تلاعب بالخيال.
بل يمكن القول ان الزرع البعيد تأسس مع الدولة العراقية عشرينات القرن الماضي ثم اغتيال الملك فيصل الاول في جنييف بالسم عام 1933 خلال فحص طبي روتيني لانه طالب الانكليز بالرحيل ثم اغتيال إبنه الملك غازي بحادث سيارة مدبر عام 1939 وفي الحقيقة هراوة حادة من الخلف من الخادم ـــــــــــ بشهادة وزير الداخلية ناجي شوكت واعتراف طبيب العائلة صائب شوكت للمؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه” تاريخ الوزارات العراقية” ـــــــــ للسبب نفسه وكان نوري سعيد الباشا خلف العمليتين وقد أغتيل الخادم في ظروف غامضة لكي يضيع الأثر.