رؤي ومقالات

د. فيروز الولي تكتب:اليمن بين برامج الموت ووهم الشرعية: تشريح علني لجثة دولة

مقدمة: حين تُدار الأوطان كغنائم
ما يحدث في اليمن ليس حربًا فقط، ولا صراع نفوذ عابر، بل مشروع تحلّل كامل لدولة تُدار بعقلية الغنيمة، ويُحكم شعبها بمنطق السجن. منذ تعيين رشاد العليمي وما تبعه من مجلس غير دستوري، واليمن لا ينزلق… بل يُدفَع دفعًا نحو القاع. كل يوم معسكر جديد، كل أسبوع معتقل جديد، وكل شهر وهم سياسي جديد يُسوَّق كـ«حل».
السعودية متمسكة بالعليمي، والإمارات متهمة بالتمادي، لكن الحقيقة أكثر قسوة: النخبة اليمنية الحاكمة هي من باعت الوهم للجميع.
أولاً: من رشاد العليمي إلى سياسة التمسك بالجثة
التمسك برشاد العليمي ليس استقرارًا سياسيًا، بل خوف من الاعتراف بالخطأ. منذ لحظة تنصيبه، لم تُبنَ دولة، بل توسّعت السجون، تضخّمت المعسكرات، وتحوّل الجنوب والمخا إلى خرائط أمنية بلا روح.
هذه ليست إدارة دولة، بل إدارة فشل مع سبق الإصرار.
ثانيًا: التحليل النفسي والاجتماعي – سلطة الخوف وعقدة السجّان
نحن أمام سلطة مريضة نفسيًا: تخاف من شعبها أكثر مما تخاف من أعدائها. تعوّض هشاشتها بالسجون، وفشلها بالقمع.
اجتماعيًا، تحوّل اليمني إلى مشتبه به افتراضي، أو وقود جبهة، أو رقم في نشرة.
الدولة في المخيال الشعبي لم تعد «أمًّا»، بل سجّانًا بدينًا بوجه رسمي.
ثالثًا: الحوثي كنموذج سلطوي واحد… والشرعية كمولد بلا كهرباء
الاعتراف المؤلم: الحوثيون – رغم إجرامهم – لديهم مرجع واحد وطباخ واحد. تعرف من يقرر ومن يتحمل النتائج. لهذا يوجد حد أدنى من الاستقرار القسري.
أما ما يسمى بالشرعية، فهي كرنفال فوضى: بقايا نظام صالح، مؤدلجون بلا مشروع، زعامات جنوبية تعاني أعراض العظمة، ولا أحد يملك برنامج حياة. الكل يتكلم… ولا أحد يطبخ.
رابعًا: وهم الإمارات… وخديعة المجلس غير الدستوري
الإمارات لم تتمادَ. الحقيقة أن أربعة من أعضاء المجلس غير الدستوري – وربما جميعهم بمن فيهم العليمي – قدّموا أنفسهم كخدمة سياسية للإيجار. أوهموا أبوظبي أنهم رجال الأرض، وأن الإمارات ستكون الحليف الأول والأبدي.
الإمارات، بخلاف الصورة العاطفية، براغماتية حتى العظم. لا تبحث عن يمن سعيد، بل عن مصالح رأسمالية واضحة: موانئ، خطوط تجارة، أمن نفوذ. لا تكذب على نفسها، لكن الكارثة أنها تعاملت مع نخب كاذبة.
خامسًا: الهبات المليارية… ليست صدقات بل ديون مؤجلة الانفجار
الهبات بالمليارات من السعودية والإمارات وقطر لم تكن يومًا صدقة لوجه اليمن، بل ديونًا مقنّعة بفوائد سياسية ومالية. ولو – افتراضًا – وصلت إلى الشعب، لكانت تحوّلت إلى دين عام على اليمن واليمنيين، تُسدَّد من أعمارهم ومستقبل أطفالهم.
لكن ما الذي حدث فعليًا؟ لم تصل الهبات إلى الدولة، ولا إلى المواطن، ولا حتى إلى الخدمات. راحت مباشرة إلى جيوب الشرعية الهزلية غير الدستورية: حسابات خاصة، استثمارات خارجية، وعقارات فاخرة تُسجَّل بأسماء أقارب وحلفاء.
السؤال الذي يطارد كل يمني: كيف تتراكم عليّ ديون لم أرَها؟ كيف أُطالَب بسداد مليارات لم تبنِ مدرسة، ولم تشغّل مستشفى، ولم تدفع راتبًا؟ هذه ليست مساعدة، بل سرقة مركّبة: سرقة المال ثم تحميل الضحية الفاتورة.
سادسًا: الاقتصاد والمال – دولة تُدار كحساب شخصي
لا موازنة، لا شفافية، لا رقابة. الاقتصاد يُدار بمنطق الغنيمة، والعملة تُستنزف، والرواتب تُستخدم كورقة ابتزاز. الدولة صارت حسابًا بنكيًا مشتركًا لثمانية أشخاص.
سابعًا: العسكري والأمني – تضخم بلا سيادة
معسكرات أكثر، أمن أقل. سلاح بلا قرار، وألوية بلا عقيدة وطنية. السجن صار بديلًا عن السياسة، والاعتقال أسرع من أي حل. الأمن حلّ محل الدولة.
ثامنًا: الإعلام والثقافة – تلميع الخراب
إعلام يبيع البيانات كحقائق، وثقافة تطبّع الفشل. الانتصارات تُعلن بلا أرض، والقرارات بلا سلطة. نشرة الأخبار فقرة كوميدية سوداء.
تاسعًا: القانون والدستور – النصوص في الثلاجة
الدستور ديكور. القانون يُستدعى للخصوم ويُجمّد للأصدقاء. لا فصل سلطات، ولا قضاء، ولا مساءلة. الدولة تُدار بالاستثناء لا بالقانون.
عاشرًا: القانون الدولي وغسيل الأموال – تتبّع الأصول لا جلد الضحية
من منظور القانون الدولي، ما جرى ويجري يدخل صراحة في نطاق غسيل الأموال وإخفاء العائدات غير المشروعة. الهبات والودائع التي حُوّلت إلى حسابات خاصة أو استثمارات خارجية يمكن قانونيًا اعتبارها أموالًا عامة أُسيء استخدامها.
وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، يحق للدول المانحة – بل ويجب عليها – تتبّع الأصول، تجميد الحسابات، ومصادرة الأموال إذا ثبت أنها ناتجة عن فساد أو إساءة ائتمان. البنوك الأجنبية، والسجلات العقارية، والشركات الوهمية ليست مناطق آمنة، بل نقاط ضعف قانونية.
المسار الصحيح ليس فرض ديون على شعب لم يستفد، بل فتح ملفات غسل الأموال، تفعيل التعاون القضائي الدولي، وتتبع حركة الأموال من المصدر إلى الملاذات الآمنة. كل دولار يمكن تتبعه، وكل عقار يمكن ربطه، وكل واجهة يمكن كشفها.
تحميل الشعب اليمني فاتورة فساد لم يشارك فيه جريمة مزدوجة: أخلاقية وقانونية.
رؤية للخروج من هذا العفن (إن بقي وقت)
1. إزاحة كل الوجوه المستهلكة دون استثناء.
2. مرجع وطني مؤقت بصلاحيات واضحة وجدول زمني صارم.
3. تفكيك اقتصاد الحرب وربط الموارد مباشرة برواتب وخدمات.
4. إعادة بناء الأمن محليًا بمرجعية مدنية لا ميليشياوية.
5. إعلام رقابي مستقل لا ممول سياسيًا.
6. مسار دستوري مختصر يعيد الحد الأدنى من العقد الاجتماعي.
خاتمة: الرسالة الأخيرة قبل الانفجار
إلى السعودية والإمارات وقطر: إن كنتم حريصين على أموالكم فطريق الاسترجاع لا يمر عبر الشعب اليمني، بل عبر حسابات قيادات الشرعية غير الدستورية التي ابتلعت الهبات.
استعيدوا أموالكم من البنوك الأجنبية، من العقارات المسجّلة بأسماء المسؤولين وأقاربهم، من الشركات الوهمية… لا من طفل يمني لم يرَ من تلك المليارات سوى الجوع.
وإلى السعودية تحديدًا: لا تتمسكي بنفس النفايات السياسية. هؤلاء لا يحمونك ولا يخدمونك ولا يفهمون اليمن. إنهم يحوّلون الدعم إلى ديون، والسياسة إلى فضيحة، والتحالف إلى عبء.
اليمن لا يُدار بالريموت، ولا بالديون، ولا بالمجالس الهجينة. يُدار بأبنائه أو ينهار على رؤوس الجميع.
هذه ليست نبوءة… هذا كشف حساب قبل الإفلاس الشامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى