
لم أدخل ديوان “الصمت لم يعد جوابا” لدموع مصطفى وأنا أحمل حكماً جاهزاً عنه، ولا رغبة في إنصافٍ يأتي من خارج النص. كنت أعرف، قبل القراءة، أن ثمة من يرى في هذه الشاعرة صوتاً لم يأخذ حقه، لكن هذا النوع من القول، على نبله، لا يكفي لكتابة قراءة. فالقصيدة لا تُنقذها النوايا الطيبة، ولا يرفعها التعاطف إذا لم تكن فيها جملة قادرة على إيقاف القارئ.
ما شدّني في هذا الديوان لم يكن اكتماله، ولا انتظامه ضمن بناء شعري واحد، بل تلك اللحظات التي تلمع فجأة داخل النص، ثم تترك أثرها وتمضي. كأن الشعر هنا لا يأتي دائماً على هيئة تدفّق طويل، بل على شكل ومضات: جمل قصيرة أو مقاطع مكثفة تنجح، حين تصيب، في فتح المعنى على أكثر من جهة.
لهذا، لم أقرأ الديوان بحثاً عن قصيدة مكتملة بالمعنى التقليدي، بل عن تلك المواضع التي تتوتر فيها اللغة، وتغدو الجملة أكثر من قول عابر. وفي هذه اللحظات تحديداً يظهر ما يمكن أن يُكتب عنه بصدق: لا بوصفه مديحاً مجانياً، ولا حكماً قاسياً، بل بوصفه إصغاءً لما ينجح النص في قوله حين يقترب من نفسه.
في أحد المقاطع تقول الشاعرة:
“لا لِمطرٍ يُفرغني من شغفي
يروي عالمي الموازي
وأموت أنا من العطش”
هنا لا تأتي الصورة من وصف حالة، بل من قلبها. المطر، بوصفه رمزاً للامتلاء والارتواء، لا يصل إلى الذات، بل يروي عالماً موازياً، فيما تبقى الأنا في عطشها. هذه المفارقة هي ما يمنح الجملة قوتها: ليست المسألة في المطر، بل في الانقسام بين ما يحدث خارج الذات وما يبقى داخلها عصيّاً على الامتلاء. كأن العالم يمكن أن يُروى كله، ويظلّ القلب، وحده، في حالة نقص.
وفي موضع آخر تقول:
“كانت شهوته للغرق فيَّ
تُنجيه مني”
هذه جملة تستحق الوقوف عندها، لا لأنها من مقطع مربك، بل لأنها لا تكتفي بصورة جميلة، بل تبني علاقة كاملة على التناقض. الغرق، عادةً، هو الخطر، والنجاة هي الخروج منه، لكن الجملة تقلب العلاقة: النجاة لا تأتي من الابتعاد، بل من أقصى درجات الاقتراب. كأن الآخر لا ينجو منها إلا حين يغرق فيها، ولا يخرج منها إلا حين يدخل إلى أقصاها. هذا التوتر بين الغرق والنجاة، بين التورّط والتحرّر، هو ما يمنح الجملة قابليتها للبقاء في الذاكرة.
في مثل هذه اللحظات، تبدو دموع مصطفى أقرب إلى شاعرة المفارقة منها إلى شاعرة الوصف. لا تذهب إلى الصورة لتزيّن المعنى، بل لتربكه قليلاً، فتجعله أقل استقراراً. وهذا، في رأيي، من أجمل ما يمكن أن تفعله القصيدة: ألّا تشرح الشعور، بل تضعنا داخله وهو يتغيّر.
وفي أحد المقاطع تقول:
“الحقل مرادف الحرية”
هذه الجملة، في ظاهرها، بسيطة، وربما تبدو أقرب إلى تعريف منها إلى صورة، لكنها تفتح باباً واسعاً. فالحقل هنا ليس مكاناً فقط، بل معنى: ليس أرضاً مزروعة فحسب، بل مساحة ضد الضيق، ضد الجدار، ضد الانحباس. وحين تقول الشاعرة إن الحقل مرادف الحرية، فهي لا تصفه، بل تعيد شحنه من داخل إحساسها، كأن الأشياء لا تبقى في معناها الأول، بل تُستدعى لتقول حاجة داخلية.
هذا الاشتغال على إعادة تسمية الأشياء يتكرر في أكثر من موضع. أحياناً تبدو الجملة كأنها تحاول أن تمنح العالم اسماً آخر، لا هرباً من الواقع، بل رفضاً لتركه كما هو. وهذا ما يجعل بعض مقاطع الديوان قائمة على حركة هادئة بين الفكرة والصورة؛ لا هي فكرة صافية، ولا صورة مكتفية بذاتها، بل منطقة بينهما.
وفي جملة أخرى تقول:
“روحك في جسدي
آخر الحيل للاتصال بالغيب.”
هنا يقترب النص من منطقة أحبها في الشعر: الجسد بوصفه ممراً، لا موضوعاً.
لا يظهر الجسد كحضور حسّي مغلق، بل كوسيلة للعبور إلى ما لا يُمسك. والروح والجسد والغيب لا تأتي هنا ككلمات كبيرة مفروضة، بل كعلاقة مأزومة بين القرب والاستحالة. كأن الاتصال بالغيب لا يتم عبر التجريد، بل عبر الجسد نفسه، تلك المنطقة التي نظنها أكثر التصاقاً بالأرض، فإذا بها تصير حيلة أخيرة لملامسة ما يتجاوزها.
ما يلفتني أن الشاعرة، في هذه اللحظات، لا تكتب بجلبة. لا تصرخ الجملة، ولا تستعرض نفسها؛ قوتها في هدوئها، في قدرتها على قول ما يُتأمل دون أن تُثقله بالشرح. هناك اقتصاد واضح في بعض المقاطع؛ اقتصاد لا يعني الفقر، بل الاكتفاء بما يلزم، كأن الجملة تعرف أنها إن قالت أكثر مما ينبغي، فقدت توترها.
لكن هذا لا يعني أن النص كله يعمل بالدرجة نفسها من الكثافة. فبعض المقاطع تميل إلى الوضوح التأملي، حيث تتقدم الفكرة على الصورة، وتقترب الجملة من التصريح أكثر من الكشف. غير أن هذا لا ينتقص من قيمة اللحظات التي ينجح فيها النص في توليد توتره الخاص، بل يجعلها أوضح، بوصفها ذُرى داخل كتابة تبحث عن توازنها بين الشعور والفكرة.
وهذا، بالنسبة لي، هو المدخل الأنسب إلى قراءة الديوان: ألا نعامله ككتلة واحدة متساوية، ولا أن نطلب منه ما لا يريد أن يكونه، بل أن نقرأه من خلال لحظاته الأشد حضوراً. قوته لا تأتي من البناء الكلي بقدر ما تظهر في اللمعة: في الجملة التي تفاجئ القارئ وتقول أكثر مما تبدو عليه، في المفارقة التي تقلب المعنى، وفي الصورة التي لا تكتمل، لكنها تترك أثراً كافياً.
ربما لهذا شعرت أن “الصمت لم يعد جواباً” ليس ديواناً يُقرأ بوصفه مساراً صاعداً، بل بوصفه مجموعة وقفات. نقف عند جملة ثم نمضي، نعود إلى مقطع فنكتشف أن قوته لم تكن في طوله، بل في شرارته. وهذا النوع من الكتابة يحتاج قارئاً لا يطلب الامتلاء دائماً، بل يعرف كيف يصغي إلى النقص حين يكون جزءاً من طبيعة النص.
في النهاية، لا أريد أن أحمّل هذه التجربة أكثر مما تحتمل، ولا أن أقلل من ومضاتها الصادقة. هي كتابة تملك لحظات شعرية واضحة، وتكشف، حين تصيب، عن قدرة على تحويل الإحساس إلى مفارقة لغوية حيّة. قد لا تكون كل المقاطع بالقوة نفسها، لكن في داخل هذا الديوان ما يستحق القراءة والإشارة إليه: تلك الجمل التي لا ترفع صوتها كثيراً، لكنها تبقى.