سمير زين العابدين يكتب :بين وهم التوسع وحدود الواقع: لماذا تصطدم فكرة إسرائيل الكبرى بجدار الجغرافيا والتاريخ؟

في قلب التحليل الجيوسياسي للصراع في الشرق الأوسط، تبرز فجوة واضحة بين الطموحات الأيديولوجية لبعض التيارات داخل إسرائيل وبين القدرة الواقعية على تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”. هذه الفجوة لا تعود إلى نقص في الإرادة أو القوة العسكرية فحسب، بل إلى حقائق بنيوية عميقة تفرضها الديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، وهي عوامل لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو التفوق المؤقت.
أول هذه العوائق يتمثل في المأزق الديموغرافي. فدولة يبلغ عدد سكانها نحو عشرة ملايين نسمة، لا يمكنها عملياً فرض سيطرة دائمة على فضاء جغرافي يعج بمئات الملايين من البشر في محيطها الإقليمي. أي توسع جغرافي واسع سيضعها أمام معادلة مستحيلة: إما دمج سكان جدد بما يؤدي إلى تآكل الطابع اليهودي للدولة وتحولها إلى كيان ثنائي القومية، أو فرض نظام فصل قسري يعيد إنتاج نموذج منبوذ دولياً ويستنزفها داخلياً سياسياً وأخلاقياً.
العامل الثاني هو غياب العمق الاستراتيجي. فالجغرافيا لا تمنح إسرائيل رفاهية الامتداد الدفاعي، بل تجعلها أقرب إلى “دولة مركزية ضيقة” تتكدس فيها مراكز الثقل الحيوية. ورغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، فإن الحروب الحديثة—خصوصاً حروب المدن والاستنزاف—أثبتت أن السيطرة الجوية لا تعني السيطرة على الأرض، وأن الكتلة البشرية ذات الامتداد التاريخي قادرة على امتصاص الضربات وإطالة أمد الصراع بما يفقد التفوق العسكري معناه الاستراتيجي.
أما من الناحية الاقتصادية والسياسية، فإن مشروع التوسع الشامل يحمل تكلفة باهظة. فاقتصاد يعتمد على التكنولوجيا والانفتاح العالمي لا يحتمل حالة حرب دائمة واحتلال طويل الأمد. كذلك، فإن النظام الدولي—رغم ازدواجية معاييره أحياناً—لا يستطيع تحمل تداعيات إعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة، لما يحمله ذلك من تهديد مباشر لمصالح القوى الكبرى واستقرار النظام العالمي نفسه.
يضاف إلى ذلك عامل البيئة المحيطة. فإسرائيل، حتى مع محاولات الاندماج السياسي، لا تزال تواجه رفضاً شعبياً عميقاً في محيطها. دول ذات جذور حضارية ممتدة مثل مصر والعراق وبلاد الشام تمثل عمقاً بشرياً وثقافياً يصعب اختراقه أو إعادة تشكيله. هذا الرفض يجعل أي توسع جغرافي عبئاً أمنياً دائماً، لا مكسباً استراتيجياً مستقراً.
في هذا السياق، شهدت العقود الأخيرة تحولاً في طبيعة القوة العسكرية. لم يعد احتلال الأرض هو المؤشر الحاسم على التفوق، إذ غيرت التكنولوجيا الحديثة قواعد اللعبة. فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة كسرت مفهوم “الحدود الآمنة”، وأصبحت قادرة على استهداف البنية التحتية الحيوية بدقة عالية. كما أن صعود حروب الوكالة والاشتباكات داخل المدن حوّل أي محاولة للسيطرة الميدانية إلى استنزاف طويل ومكلف. بل إن التفوق التكنولوجي نفسه لم يعد حكراً على الدول، مع امتلاك فاعلين غير تقليديين لأدوات قادرة على إرباك الجيوش النظامية.
سياسياً، تقف المنطقة أمام مسارين متناقضين. الأول هو مسار “الاندماج الإقليمي”، الذي تسعى من خلاله إسرائيل إلى تجاوز قيود الجغرافيا عبر بناء شبكات من العلاقات الاقتصادية والأمنية، بما يسمح لها بإعادة تشكيل خريطة النفوذ دون الحاجة لتغيير خريطة الأرض. أما المسار الثاني، فهو “الانفجار الشامل”، الذي تدفع نحوه تيارات يمينية متطرفة تراهن على الحسم العسكري وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي عبر التهجير. غير أن هذا المسار يصطدم مباشرة بمصالح وأمن دول محورية في المنطقة، وقد يفتح الباب أمام صراع إقليمي واسع لا يمكن التنبؤ بنتائجه.
في المحصلة، تبدو إسرائيل أمام خيار استراتيجي حاسم خلال العقد القادم: إما أن تعيد تعريف أمنها ضمن حدود قابلة للحياة عبر الاندماج السياسي والاقتصادي في الإقليم، أو تستمر في عقلية “القلعة العسكرية” التي قد تحقق تفوقاً تكتيكياً مؤقتاً، لكنها تعجز عن إنتاج استقرار طويل الأمد في مواجهة واقع ديموغرافي وحضاري صلب.
إن مشروع “إسرائيل الكبرى”، في ضوء هذه المعطيات، ليس مجرد هدف صعب التحقيق، بل هو تصور يصطدم بقوانين التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا—وهي قوانين تميل، على المدى البعيد، إلى ترجيح كفة الشعوب والعمق الحضاري على حساب مشاريع التوسع القسري.
#بالعقل_والهداوة