إدريس آيات يكتب : التنافس الجيوسياسي الكبير في السودان ومنطقة البحر الأحمر
- اصطفاف سياسي جديد في السودان: حلف مصر السعودية، تركيا، وقطر مع السودان وجيشه، ضد حلف الإمارات، حفتر، مع ميليشيا الدعم السريع

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز الأمريكية ” The New York Times عن وجود مهبطٍ جوي مصري يُستخدم لإيواء عدد كبير من الطائرات المسيّرة التي تُوظَّف في ضرب ميليشيا دعم السريع داخل السودان، في تنسيقٍ مباشر مع الجيش السوداني.
استندت الصحيفة إلى صور أقمار صناعية، وسجلات رحلات جوية، ومقاطع فيديو، إضافة إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، لتؤكد أن طائرات عسكرية متطورة بدون طيار، متمركزة في هذا الموقع المصري (انظر صُور الخرائط أدناه)، تنفذ غارات في السودان منذ ما لا يقل عن ستة أشهر، وتستهدف ميليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
وبحسب التقرير ذاته فإنّ الاصطفاف الإقليمي صار واضحًا؛ الإمارات تدعم قوات الدعم السريع بالمال والسلاح، بينما -الآن- تدعم كلٌ من مصر والسعودية وقطر وتركيا الجيش السوداني ومؤسسات الدولة المعترف بها دوليًا.
وهذا ما يُفسّر أن قوات الدعم السريع تستخدم طائرات صينية بعيدة المدى من طراز CH-95 تُورَّد عبر أبوظبي، في حين يعتمد الجيش السوداني على طائرات مسيّرة متقدمة تعمل بالأقمار الصناعية من شركة Baykar التركية.
وبحسب أربعة مسؤولين أمريكيين ومسؤول من الشرق الأوسط، فإن هذه الطائرات التركية المسيّرة تُخفى داخل الأراضي المصرية لحمايتها، كي لا تُستهدف داخل الأراضي السودانية، طبعًا لأنّ كلفة اختراق السيادة المصرية ستكون غالية.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت القوات المصرية أم السودانية هي من يُشغّل هذه الطائرات، وقد تحدث هؤلاء المسؤولون بشرط عدم الكشف عن هوياتهم نظرًا لحساسية المعلومات الاستخباراتية؛ لكن على المستوى الشخصي هي قوات مشتركة من جميع هذه الدول من تشغّل الطائرات.
▪️في تقديري؛ لا تكمن أهمية هذا الكشف فقط في البعد العسكري، بقدر ما في توقيته السياسي. فالحرب في السودان بلغت مرحلة أصبح فيها توازن القوى مرهونًا بالسيطرة الجوية والاستطلاع الدقيق.وفقط هندسة ميدانية دقيقة تمنع ميليشيا الدعم السريع من التحول إلى قوة مسيطرة في الأجواء السودانية، وهو سيناريو تدرك القاهرة وحلفائها أنه يمس الأمن الإقليمي كله للخطر، لأن السودان فوق كونها جارًا لمصر، وعمقًا استراتيجيًا، هي أيضًا حديقة خلفية لأمن وادي النيل، وبوابة البحر الأحمر.
لكن حريٌ بالذكر؛ في الوقت نفسه، أنّ مصر تجد نفسها في معادلة شديدة التعقيد. فالإمارات هي أكبر مستثمر في الاقتصاد المصري، وشريك اقتصادي لا يمكن تجاهله، لكنها في الملف السوداني تقف عمليًا في الضفة المقابلة للمصالح المصرية؛ أي بجانب ميليشيات الدعم السريع والتي تهدد الأمن القومي المصري منذ سيطرت على المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا في يونيو عام 2025، وكما تقول لنا صحيفة نيويورك تايمز؛ فإنّ عمر هذا الموقع للطائرات المسيرة والحربية داخل مصر هو 6 أشهر، أي بعد شهرٍ ونيفٍ من سيطرة الدعم السريع على المثلث الحدودي. بعبارةٍ صريحة كانت ردة فعلٍ جيوسياسية منقطقية، لكنّها متأخرة لأنّ مصر انتظرت حتى وصلت النار على بابها، كي تتحرك ضد هذه الميليشيات التي تدعمها الإمارات. لذلك، فإن ما تقوم به القاهرة هنا يعكس سياسة توازن دقيقة: لا صدام مباشر مع أبوظبي، ولا تفريط في أمنها القومي والإقليمي في الخرطوم.
هذا النوع من التموضع هو ما نسميه في الدراسات الاستراتيجية ب«الردع الصامت». مصر لا تُعلن، ولا تُصعّد سياسيًا ضد الإمارات -كما فعلت المملكة العربية السعودية ضد أبو ظبي في اليمن مع مشروع عيدروس في الجنوب اليمني-، لكنها تضمن على الأرض أن لا تتحول المعادلة السودانية إلى تهديدٍ استراتيجي لها بسيطرة ميليشيا الدعم السريع. إنها رسالة مزدوجة: الحفاظ على الشراكة الاقتصادية مع الإمارات، مع رسم خطٍ أحمر واضح في السودان.
لذلك أرى أنّ ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز ، بهذا المعنى، نافذة لفهم كيف تُدار الجيوسياسة في الظل، مصر تبتعد عن التصريحات لعدم قلق استياء مع الإمارات؛ لكنها في تحالف عبر الطائرات المسيّرة، وخرائط الأقمار الصناعية، لضمان استقرار السودان ووحدة أراضيها.