رؤي ومقالات

حافظ المرازي يكتب :المُحبطّ في خطاب الملك تشارلز بالكونجرس؟

رغم أن اعضاء الكونجرس الأمريكي وقفوا يصفقون لملك بريطانيا 12 مرة في جلستهم المشتركة أمس: 28 أبريل، لكن قارنها بعدد وقفاتهم مصفقين في جلسة مشتركة يوم 28 يوليو قبل عامين، لخطاب رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، وسط كل جرائم الحرب والإبادة الجماعية وقتها بشعب غزة؟ لقد وقفوا 53 مرة مصفقين لرئيس وزراء الدولة التي لها فعلا “علاقة خاصة بالولايات المتحدة وليست بريطانيا” على حد تعبير السفير البريطاني نفسه لدى واشنطن كريستيان تيرنر وهو يتحدث لبعض طلاب المدارس الأمريكية في اليوم نفسه لخطاب الملك تشارلز الثالث بالكونجرس!
إحباطي من الخطاب لا يتعلق بلغته الرفيعة والبليغة التي لاتبدو إلا لمن يريد مقارنتها بلغة الرئيس الأمريكي السوقية، فهذه مقارنة لا تعطي ميزة كبيرة لملك “بريطانيا العظمى” بل تُحسب ضد ترامب زعيم “العالم الحر” المتدني بشكل يجعل اي متحدث عادي او دبلوماسي متواضع من جمهوريات الموز، سياسيا بليغا ومفوها بجوار لغة ترامب وتصرفاته!
تشارلز الذي يعرف الإسلام جيدا ويُفترض أنه يحترمه، إلى جانب قيم العلمانية والفصل بين الدين والدولة في بلده، خاطب الكونجرس الذي قام دستوره على هذا الفصل، بلغة “نحن المسيحيين” التي تغازل الجمهوريين اصحاب الأغلبية البسيطة في الكونجرس بمجلسيه، والمتحالفة حزبيا مع اليمين المسيحي، غير مهتم حتى بليبرالية وعلمانية أغلب قواعد الحزب الديمقراطي المُرجّح أن يستعيد الأغلبية في الكونجرس بعد بضعة أشهر في انتخابات نوفمبر المقبل. إذ قال الملك تشارلز بخطابه موجها حديثه لرئيس مجلس النواب (الجمهوري/ جونسون):
“سيدي الرئيس، بالنسبة لكثيرين هنا — ولي شخصيًا — يشكل الإيمان المسيحي مرساة راسخة ومصدر إلهام يومي يوجهنا ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضًا كمجتمع. ومن خلال تكريس جزء كبير من حياتي لتعزيز التفاهم بين الأديان، وجدت أن الإيمان بانتصار النور على الظلام قد تأكد لي مرات لا تُحصى.”
تبع الملك ذلك بالتأكيد على أهمية حوار الأديان أو بالأدق أصحاب كل إيمان، تاركا الأمر شعاراً نظرياً دون أن تكون هذه فرصة للإشارة إلى الإسلام وكذلك اليهودية، أو محاولة الرد على المتعصبين من بين الجمهور الذي يخاطبه ضد الإسلام، حتى ولو كان ذلك بجملة متوازنة ترفض معاداة السامية، بمفهومها الديني وليس السياسي الصهيوني ، مع ضرورة نبذ معادة الإسلام كديانة، دون ربط اتباعها بتطرف أي تنظيم أو حكومة.
بل ذهب الملك في خطابه إلى تذكير الساسة الأمريكيين بحادث إرهابي، استخدمه أعداء المسلمين لربطه بمعتقداتهم، وهو الهجوم الانتحاري لتنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن، فقال:
“يصادف هذا العام أيضًا الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر. لقد كانت هذه الجريمة لحظة مفصلية لأمريكا، وشعر العالم كله بألمكم وصدمتكم. وخلال زيارتي إلى نيويورك، سأقوم أنا وزوجتي مرة أخرى بتكريم الضحايا وعائلاتهم، واستحضار الشجاعة التي ظهرت في مواجهة هذه الخسارة الفادحة. لقد وقفنا إلى جانبكم آنذاك، ونقف معكم الآن في إحياء ذكرى يوم لن يُنسى أبدًا.
وفي أعقاب تلك الهجمات مباشرة، عندما فعَّل حلف شمال الأطلسي المادة الخامسة (الدفاع المشترك) لأول مرة، وتوحد مجلس الأمن الدولي في مواجهة الإرهاب، استجبنا معًا — كما فعلت شعوبنا لأكثر من قرن، كتفًا إلى كتف، عبر حربين عالميتين، والحرب الباردة، وأفغانستان، ولحظات أخرى شكّلت أمننا المشترك.”
– وبينما اكتفى الملك بتبرير ضمني للحرب على أفغانستان في 2001، بربطها بذريعة 11 سبتمبر، دون ذكر حرب العراق، التي شنتها بريطانيا ايضا مع امريكا عام 2003..إلا أنه أشار لتضامن الجيشين معا في حرب سابقة، دون ذكر اسم العراق. فقد ذكَّر الكونجرس بأن أمه سبقته بخطاب امام المجلسين في زيارة لها لأمريكا عام 1991 (وكانت في سياق الانتصار على العراق فيما عُرف بحرب تحرير الكويت) وهو مالم يصرح به حين قال تشارلز:
“وإذ أتحدث في هذه القاعة العريقة للنقاش والتداول، لا يسعني إلا أن أفكر في والدتي الراحلة، الملكة إليزابيث، التي مُنحت في عام 1991 هذا الشرف الكبير ذاته، وتحدثت تحت نظر تمثال الحرية الذي يعلونا.”
لكن حين أراد الملك الإشارة إلى الحروب والاعتداءات الحالية، لم يذكر غزة ولا إيران، لكنه أشار إلى الحرب على دولة واحدة، هي ما تعنيه وتعني أغلب وليس كل المشرعين الامريكيين في القاعة، حيث قال:
“اليوم، سيدي الرئيس، فإن نفس هذا العزم الراسخ مطلوب للدفاع عن أوكرانيا وشعبها الشجاع. وهو مطلوب لضمان سلام عادل ودائم حقًا. ومن أعماق الأطلسي إلى ذوبان الجليد الكارثي في القطب الشمالي، فإن التزام وخبرة القوات المسلحة الأمريكية وحلفائها تقع في صميم حلف الناتو، متعهدين بالدفاع المشترك، وحماية مواطنينا ومصالحنا، والحفاظ على أمن أمريكا الشمالية وأوروبا من خصومنا المشتركين.
إن روابطنا الدفاعية والاستخباراتية والأمنية متشابكة بشكل عميق، بعلاقات لا تُقاس بالسنوات بل بالعقود.”
– هكذا تحدث تشارلز الثالث بكل وضوح وفجاجة كأنه مفاوض دبلوماسي وتاجر بريطاني يسعى لحصة بلاده في الكعكة الدولية، ويقوم بدور ولغة خطاب لرئيس الوزراء وليس الملك المتزن الذي لايحكم ولايتدخل في تفاصيل العلاقات الدولية.
لقد تحدث كأنه ثاتشر مع بوش الأب، وبلير مع بوش الابن، والغائب المتعثر حاليا/ ستارمر الذي لم يقدر على المجئ لمواجهة أو مسايسة المتغطرس ترامب، فجاء تشارلز ليقوم عنه بالمهمة!
نعم، الملك تشارلز هو رمز الدولة البريطانية ومن واجبه حماية مصالحها، لكن هذا الخطاب لايعطيه أكثر من ذلك: مجرد سياسي بريطاني لايختلف مضمون خطابه الاستعماري الغربي عن مضمون خطاب ستارمر او بلير، او حتى أهداف ترامب، وإن كان الفارق هو في الإلقاء، الذي يبقى رغم ذلك اقل من خطاب نتنياهو في الكونجرس الأمريكي إلهايا لمشاعر وتصفيق ووقفات مشرعين أكثر تحيزا وعنصرية مما يمكن لتشارلز ان يصرح به!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى