
في بعض لحظات التاريخ تقع الشعوب الخارجة من قهر طويل في ما يسمى” الأوهام الشعبية الاستثنائية وجنون الحشود” عنوان كتاب تشارلز ماكاي ونشر عام 1841 ولا يزال حتى اليوم مرجعا في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والنفس.
نحن نفهم ونقدر فرح وهياج الناس يوم أمس بالفجر الأحمر في المنطقة الخضراء وصخب العملية المنظمة منذ شهور كما هو واضح من تنفيذها خليط من قوات عراقية وقوات الأف بي آي مع كلاب بوليسية وأجهزة كشف النقود ودقة التنفيذ واختيار نوع اللصوص بحيث لا تقع فوضى نظرا لكونهم نماذج معزولة من التيارات الرئيسية مما سهل ضربهم بلا ردود فعل عنيفة كما انهم كانوا نفسيا مستعدين لهذا اليوم ويثبت ذلك الاستسلام الفوري اليائس الناتج عن الانتظار الطويل ومخاوف سنوات وكوابيسها.
لكننا ذهبنا الى ما أبعد من الحدث كما قبل الغزو عندما رفضنا مفهوم” تحرير العراق” وقلنا مبكراً إنه مشروع نهب وسيطرة بذريعة طاغية أرعن، وكما لم نشارك أفراح الحشود عند القبض على صدام أو عند شنقه لأن الدكتاتور ليس شخصاً بل عقلية وبيئة وحاضنة وثقافة وكتبنا كتاب” الامبراطور الحافي” أوهام القبض على الدكتاتور”.
كيف استطاع مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الذي عاد للسلطة بعمر 95 عاما من استرجاع الاموال من اللصوص بلا جيش ولا انزال دبابات كما حدث في العراق أمس؟ لقد اعتمد على قوة القانون وخير اللصوص بين استعادة الاموال او السجون وتمكن من استرداد المليارات من أموال صندوق1MDB السيادي كما قام بتفعيل سلاح المعاهدات الدولية والقضاء الدولي في ملاحقة اللصوص والاصول المسروقة وغسيل الأموال.
بدون أي ضجة ولا دبابات شوارع تم تكليف اجهزة الشرطة المختصة بأعمال مداهمة بأوامر قضائية وصادرت مئات الحقائب التي تحتوي على أموال سائلة ومجوهرات وساعات ثمينة كأدلة مادية دون الحاجة لإثارة ذعر عام.
الفارق مع العراق ان ماليزيا دولة مؤسسات ومستقلة وليست تحت احتلال وهيمنة امريكية سياسية وعسكرية واقتصادية ونظام مرتهن. الفارق الجوهري ليس في رغبة الشعوب أو كفاءة الأفراد، بل في بنية الدولة وسياقها السياسي وقيادة تاريخية يقودها مفكر كبير ونزيه رفض كل الشروط الدولية في ربط ماليزيا بالاقتصاد الرأسمالي رغم الضغوط . سيادة القرار ورفض الوصاية الأجنبية كان سلوك مهاتير كقائد دولة مستقلة.
كما ان مصيبة الفساد العراقي في أنه مؤسساتي متغلغل في كل تفاصيل السياسة والاقتصاد والمؤسسات والتكوينات الاجتماعية والقبلية مما يجعل مهمة القضاء عليه صعبة جداً وتحتاج الى بيئة سياسية وثقافية ومصرفية مختلفة والى طبقة سياسية بديلة نزيهة سواء في السلطة أو في المعارضة وقضاء مستقل وسلطة ثقافية تقف في وجه السلطة السياسة كما في كل دول العالم حتى الدول الاسكندنافية المرفهة لأن هذه طبيعة المثقف في ألا يخضع للنظام السياسي عبر العصور.
منذ عام 2003 يعاني العراق من احتلال وتداخلات إقليمية ودولية عنيفة، وهيمنة واضحة على مفاصل كثيرة من بينها التحكم بملف الأموال وعائدات النفط عبر البنك الفيدرالي الأمريكي. الفساد في العراق غالباً ما يكون محمياً بشبكات مصالح عابرة للحدود، مما يجعل ملاحقة أي فاسد بمثابة مواجهة سياسية مع قوى إقليمية أو دولية داعمة له وقد طلب بعض اللصوص في الايام الاخيرة مساعدة بعض دول الجوار في حل الأزمة بل طالب أحد كبار الحيتان بتفعيل تقليد” عفا الله عما سلف” كما لو ان ما سلف هو كسر باب أو انهيار جدار أو حرق سيارة وليس ربع قرن من الكوارث والأحزان والأمراض والإذلال والقلق والخ.
من مشاكلنا السياسية والثقافية هي في تعريف المفاهيم ومنها تعريف الفساد كنهب وسرقة أموال فحسب دون الانتباه الى أن أخطر أنواع الفساد هو الإرتهان السياسي وفقدان الاستقلالية في القرار وهذا الارتهان منتج لطبقة جديدة من اللصوص بعناوين مختلفة وفي المقدمة شركات أجنبية وتتحول العملية الى نقل الأموال من لصوص صغار الى لصوص كبار ومصارف ودول وشركات وتحمل هذه المرة” شرعية” قانونية مع أن النهب سيكون أكبر وأوسع وعادة لا تكتفي الشركات الرأسمالية بالسرقة المنظمة بل تخلق بيئة وثقافة حولها كدرع حماية من خلال دعم مشاريع اجتماعية وصحية وثقافية وهذا أخطر من الفساد المالي كما تقوم السفارة الأمريكية في بغداد بعروض ثقافية ودورات تعلم اللغة الانكليزية وحفلات موسيقية ومعارض فنية وندوات حقوقية وهي في الحقيقة خلق بيئة ومجتمع حماية لها مسيج بأقنعة مزيفة وقد يكون على المدى الطويل مرتعاً للجواسيس أو نخبة حكم وقد اعترف السفير الأمريكي السابق بذلك في جلسة استماع سرية أمام لجنة الاستخبارات الأمريكية في مجلس النواب في كانون الاول 2019 السفير دوغلاس سيليمان بالقول:” عندنا في العراق طبقة سياسية جاهزة للحكم”.
لذلك لا يجب على المثقف أن يجهز أفراحه ويركض خلف الحشود.
ليس من واجب المثقف الاندفاع خلف تلك الأوهام أو الأحلام حتى لو كانت ذات طبيعة عادلة ومشروعة لأن واجبه الحقيقي كشف ما وراء الأحداث، ما سكت عنه الحدث، المخفي والمسكوت عنه، والأسباب العميقة والنتائج.
لا تعرف الحشود تحت حالات الهيجان ماذا سيحدث في اليوم التالي لان الزمن تجمد عند لحظة واحدة: الحاضر وعدوى العواطف يتحول الى قرارات وتصورات عن مستقبل وهم وتدفع العدوى الجماعية الجمهور نحو خيارات لا يعرف عنها شيئاً ليكتشف يوما ان المسافة بين الواقع وبين الخيال مسافة بين شاطئ وآخر وتبدأ من جديد لعبة جديدة.
الغريق لا يهمه من المنقذ لحظة الغرق سواء كان دولفينا او قرصانا او كاهنا او سفاحا بل تهمه فكرة الانقاذ ،
لكن سؤال الغريق السياسي مختلف: ماذا بعد الانقاذ ونهاية الحفل؟ وهو ليس سؤال الحشود المستنزفة لانها غارقة في أوهام وأحلام وكوابيس الماضي لكنه سؤال المثقف، وقد قدم لنا التاريخ امثلة لا حصر لها عن ايام ما بعد الغرق.
ان يندفع الناس نحو هذا النوع من الجنون المبرر ، أمر مفهوم ، لكن أن يندفع مثقفون خلف الحشود بلا صورة واضحة عن المستقبل ولا كشف التعقيد المركب للاعصار ، فهي خاصية معروفة في “المثقف السياسي” الذي لم يحدث مرة واحدة ان اخبرنا عن صورة مستقبل لانه اما مؤدلج او يسقط رغباته على واقع جديد لا يتطابق مع الحقيقة او يفكر من منطقة الجرح او يبيع الاوهام للناس من اجل الكسب الحزبي.
لا تعثر على هذه” الاحتفالية” لدى المثقف الغربي الذي يضع كل التوقعات والمخاوف والهواجس عن وعي عميق بطبيعة الازمة وتعدد الاطراف والمصالح والنوايا الخفية التي كجبل الجليد لا يظهر منه غير الرأس.
يتحدث المثقف او الكاتب السياسي عن اعصار سياسي عصف بالمنطقة بلغة وثوقية جازمة حازمة مع ان لغة السياسة لغة احتمالات،
كما لو انه يتحدث عن طبخة عشاء او برنامج سهرة قادم او حفل موسيقي:
من أين تأتي الثقة لهؤلاء ؟ من أين يأتي هذا” الايمان” بأن اللغة هي الواقع؟